لجنة التربية و التعليم العالي و البحث العلمي

التعليم: نقطة البداية في بناء الدولة

بقلم: الأستاذ الدكتور قيس عبدالعزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

عضو لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي

المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

الدولة الحديثة لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى عبر منظومة متكاملة قوامها:

  • إنسان مؤهل
  • معرفة منتجة
  • منظومة قيم راسخة

وهذه الثلاثية لا يمكن أن تتشكل خارج إطار مؤسسات تعليمية فاعلة.

لكن ما حدث في العراق بعد عام 2003 كان العكس تمامًا، حيث تعرّض التعليم إلى:

  • تسييس ممنهج
  • إضعاف متعمد لمستواه العلمي
  • اختراقات فساد طالت بنيته الأساسية

فأصبح النظام التعليمي عاجزًا عن إنتاج نخب قادرة على القيادة.

مظاهر انهيار التعليم

  1. التسييس وفقدان الاستقلال

تحولت بعض المؤسسات التعليمية إلى ساحات نفوذ، مما أضعف دورها العلمي، وأفقدها استقلالها الأكاديمي.

  1. تآكل المعايير العلمية

لم تعد الكفاءة هي المعيار الحاكم دائمًا، بل حلّت محلها اعتبارات أخرى، الأمر الذي أثّر سلبًا على جودة المخرجات التعليمية.

  1. تفشي الفساد الأكاديمي

من أخطر ما واجه التعليم هو انتشار ظواهر مثل تزوير الشهادات، وضعف الرقابة، مما هزّ الثقة بالمؤسسة العلمية.

  1. مناهج خارج الزمن

في عالم يتغير بسرعة، بقيت بعض المناهج بعيدة عن متطلبات العصر، وغير قادرة على تأهيل الطلبة لسوق العمل.

نحو رؤية إصلاحية شاملة

إن إصلاح التعليم في العراق لا يمكن أن يتم عبر إجراءات جزئية، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على المحاور التالية:

أولًا: إعادة بناء المناهج

  • تحديث المحتوى العلمي بما يواكب التطورات العالمية
  • تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحليل
  • ترسيخ الهوية الوطنية في إطارها العربي الحضاري

ثانيًا: استقلال الجامعات

  • تحييد المؤسسات التعليمية عن التجاذبات السياسية
  • اعتماد الكفاءة معيارًا أساسيًا في الإدارة والتعيين
  • بناء بيئة أكاديمية قائمة على البحث والإبداع

ثالثًا: ترسيخ النزاهة الأكاديمية

  • تدقيق الشهادات والمؤهلات العلمية
  • تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة
  • اعتماد معايير جودة دولية

رابعًا: ربط التعليم بالإنتاج

وهنا يكمن التحول الجوهري في فلسفة التعليم:

لم يعد مقبولًا أن يكون التعليم وسيلة للحصول على وظيفة فقط،

بل يجب أن يتحول إلى أداة لصناعة الفرص.

  • إدخال مفاهيم ريادة الأعمال
  • دعم الابتكار والمشاريع الطلابية
  • إنشاء حاضنات أعمال داخل الجامعات

خامسًا: تأهيل الكادر التعليمي

  • تطوير قدرات الأساتذة بشكل مستمر
  • تحديث أساليب التدريس
  • الانفتاح على التجارب الدولية الناجحة

البعد الاستراتيجي للإصلاح

إن الدول التي استطاعت أن تنهض في العصر الحديث لم تعتمد على الموارد الطبيعية فقط،

بل استثمرت في العقل البشري.

فالتعليم اليوم لم يعد قطاعًا خدميًا، بل أصبح ركيزة للأمن القومي،

وأداة لصناعة القوة الشاملة للدولة.

وخلاصة القول: 

إن إصلاح التعليم في العراق ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.

فإما أن يبدأ العراق من إعادة بناء منظومته التعليمية،

أو يستمر في إعادة إنتاج الأزمات نفسها.

ويبقى الأمل معقودًا على ظهور إرادة وطنية صادقة، تؤمن بأن

“التعليم هو المعركة الحقيقية التي تُحسم فيها مستقبل الدول”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى