لجنة الادارة والاحصاء و التخطيط الاستراتيجي

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الحياة: هل تنهي واشنطن إرث لندن في الشرق الأوسط؟

الوجه الاقتصادي للعبة القديمة وفرصة السلام الجديد

الدكتور علي محمد الجسام

عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

لجنة الإدارة والمحاسبة والاحصاء والتخطيط الاستراتيجي

حين غادرت بريطانيا شواطئ الخليج وقناة السويس في منتصف القرن العشرين، لم تغادر بيدين فارغتين. فقد تركت وراءها حدودًا مرتبكة، واقتصاداتٍ هشّة، ومجتمعاتٍ اعتادت العيش على التوتر أكثر مما اعتادت العيش على الاستقرار. لم يكن المطلوب يومها أن تنهض المنطقة، بل أن تبقى قابلة للإدارة: نفطٌ يتدفق، وأسواقٌ مفتوحة، وصراعاتٌ لا تنتهي بالكامل… ولا تنطفئ بالكامل.

هكذا وُلد اقتصادٌ كامل قائم على الريع لا على الإنتاج، وعلى استهلاك الثروة لا على صناعتها. لم تُبنَ المنطقة لتكون مركزًا صناعيًا ينافس الغرب، بل خزانًا ضخمًا للطاقة يمدّ العالم بما يحتاجه، ثم يشتري منه كل شيء.

وحين حاولت بعض الدول الخروج من هذه المعادلة، بدأت المشاكل مبكرًا. فالعراق، في الثلاثينيات والأربعينيات، حاول بناء قاعدة زراعية وصناعية متماسكة. ومصر، بعد عام 1952، حاولت كسر الاقتصاد الأحادي القائم على القطن عبر مشروع تصنيع واسع. لكن المنطقة كانت تدخل، في كل مرة تقريبًا، دوامة جديدة:

حصار، أو انقلاب، أو استنزاف طويل.

ومع مرور الوقت، لم يعد الانقسام السياسي مجرد نتيجة للفشل الاقتصادي، بل أصبح جزءًا من بنية النظام نفسه. فالناس المنقسمون طائفيًا أو أيديولوجيًا أقل قدرة على بناء مشروع اقتصادي جامع.

بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت القيادة من لندن إلى واشنطن، لكن جوهر اللعبة بقي متشابهًا إلى حدٍّ كبير، وإن اختلفت الأدوات. لم يعد المطلوب نفطًا رخيصًا فقط، بل منع ظهور أي قوة إقليمية مستقلة قد تُربك ميزان الهيمنة العالمي أو تُهدد مركزية الدولار.

وهنا دخلت المنطقة مرحلة جديدة:

 مرحلة حروب الوكالة.

حروبٌ طويلة استنزفت البشر والثروات معًا، واستهلكت مئات المليارات التي كان يمكن أن تتحول إلى:

شبكات نقل،
ومدن صناعية،
ومراكز تكنولوجيا،
ومشاريع طاقة حديثة.

ومع تكرار المشهد لعقود طويلة، بدأ الأمر يبدو أقل شبهًا بالصدفة…
وأكثر شبهًا بالنظام.

فمنطقةٌ تملك النسبة الأكبر من احتياطي النفط والغاز في العالم، ما زالت تعاني من:
البطالة،
وهجرة العقول،
وانهيار البنية التحتية،
وتراجع التعليم.

ومع ذلك… يبدو أن العالم يتغير مرة أخرى.

فاقتصاد الريع يقترب من حدوده، والحروب الطويلة تحولت إلى عبء حتى على داعميها، والمجتمعات التي دفعت الثمن دمًا وفقرًا بدأت تفقد قدرتها على تصديق الخطابات القديمة.

وفي المقابل، تظهر ملامح مشروع مختلف يقوم على فكرة أبسط بكثير:

أن الاستقرار قد يكون أكثر ربحًا من الفوضى.

ولهذا بدأت تتشكل مشاريع اقتصادية عابرة للحدود:
ممرات تجارية، وربط كهربائي، وشبكات طاقة، وموانئ، ومناطق لوجستية تربط الخليج بالعراق والشام والبحر المتوسط.

الفكرة الجديدة لا تتحدث فقط عن النفط، بل عن الإنسان نفسه. عن التعليم، والتكنولوجيا،
والصناعة، وفرص العمل، وإعادة بناء الطبقة الوسطى التي تآكلت خلال عقود الصراع.

حتى فكرة تفكيك اقتصاد المليشيات لم تعد تُطرح من زاوية أمنية فقط،
بل من زاوية اقتصادية أيضًا.

لأن السلاح لا يُسحب بالقوة وحدها،
بل حين يشعر الإنسان أن الدولة قادرة على أن تمنحه مستقبلًا أفضل من الحرب.

وربما لهذا يملك العراق موقعًا مختلفًا في هذه المرحلة.

فهو ليس مجرد دولة نفطية،
بل عقدة جغرافية تربط الخليج بالشام وتركيا وإيران.

وإذا استطاع الخروج من اقتصاد التهريب والانقسام،
فقد يتحول إلى أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في المنطقة.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بأمريكا وحدها،
بل بالمنطقة نفسها.

هل تستطيع النخب السياسية والاقتصادية أن تنتقل من عقلية إدارة الأزمة…
إلى عقلية بناء المستقبل؟

وهل تستطيع المجتمعات التي عاشت طويلًا داخل الخوف والانقسام،
أن تعود إلى التفكير بلغة العمل والإنتاج والدولة؟

ربما لم تعد شعوب المنطقة تحلم بالمشاريع الكبرى والشعارات القديمة، بقدر ما تحلم بأشياء أبسط بكثير:

كهرباء لا تنقطع،
ووطن لا يُسأل فيه الإنسان عن طائفته قبل كفاءته،
ووظيفة لا تعتمد على الولاء،
وحياةٍ لا يكون الخوف عنوانها اليومي.

وهنا فقط…

قد يبدأ الشرق الأوسط بالخروج من اقتصاد الحرب…
إلى اقتصاد الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى