لجنة الادارة والاحصاء و التخطيط الاستراتيجي

العراق الجديد: من الفوضى إلى التنمية المستدامة

الدكتور علي محمد الجسام

عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

لجنة الإدارة والمحاسبة والاحصاء والتخطيط الاستراتيجي

كل الدول العظيمة مرت بلحظة “فوضى خلاقة” قبل أن تولد من جديد. سنغافورة ولدت من رماد الصراع العرقي، تركيا من هزيمة الإمبراطورية، الإمارات من صحراء متفرقة، ورواندا من إبادة أهلية. القاسم المشترك لم يكن غياب الأزمات، بل قرار النخب أن تحول الفوضى من نقمة إلى منصة انطلاق.

واليوم يقف العراق على عتبة هذه اللحظة. بعد قرن من الدولة الناقصة، وبعد عقدين من الفوضى الممنهجة التي حولته ساحة نفوذ واقتصاد ريع، تهاوت أدوات التقسيم الإقليمي. ولأول مرة منذ 1921، يصبح السؤال ليس من يحكم العراق، بل هل نمتلك شجاعة بناء “العراق الجديد”؟

العراق الجديد لا يعني تغيير الأسماء والوجوه. العراق الجديد يعني كسر ثلاث عقد تاريخية حبستنا. والعقدة الأولى هي عقدة السيادة المفقودة. فمنذ تشكلت الدولة الصفوية على الضفة الشرقية، ونظر العراق لم يكن يوماً دولة مستقلة بذاتها في حسابات طهران، بل كان دائماً امتداداً جغرافياً وعمقاً استراتيجياً ومصدراً للثروة. هذا المنطق لم يكن نزوة عابرة، بل عقيدة ثابتة: العراق القوي المستقل يعني تهديداً للتوازن الشرقي، والعراق الضعيف المفكك يعني مجالاً حيوياً مفتوحاً. أدرك العثمانيون هذه الحقيقة فجعلوا من بغداد والبصرة والموصل درعاً يقي عاصمة الخلافة، لكنهم لم يبنوا دولة وطنية، بل حافظوا على العراق ولايات متفرقة تدار بمنطق الجباية. وحين رسم الإنكليز الحدود بالمسطرة، أسسوا دولة حديثة لكنها ولدت ناقصة السيادة ومفصولة عن إرادة شعبها. فكانت النتيجة دولة بلا أمة، وأمة بلا دولة. ومنذ تلك اللحظة دخل العراق في دائرة مفرغة: كل محاولة لاسترداد السيادة بالسلاح والانقلابات كرست التبعية بدل أن تكسرها، لأنها اختزلت الدولة في فرد واختزلت الاقتصاد في الريع.

ثم جاءت لحظة 2003 لتكشف العورة كاملة. بسقوط مركز الدولة عاد المنطق التاريخي القديم بقوة أكبر: تحويل العراق إلى ساحة نفوذ مفتوحة، واستنزاف خيراته لصالح مشروع خارجي، وإبقاؤه في حالة فوضى مضبوطة حتى لا ينهض كقوة فاعلة. وهكذا تكررت المأساة بأدوات جديدة: بدل الجيوش الجرارة صارت المليشيا، وبدل الاحتلال المباشر صار الاحتلال الاقتصادي والأمني، وبدل تقسيم الأرض صار تقسيم الولاءات. 

لكن التاريخ يفتح أحياناً نوافذ نادرة، وسقوط أدوات التقسيم اليوم يمثل إحداها. لأول مرة يمكن أن نسأل: بأي منطق سنبني؟ والإجابة تبدأ بكسر العقدة الثانية وهي عقدة اقتصاد الريع. النفط يجب أن يتحول من غاية إلى وسيلة. لي كوان يو استلم سنغافورة بلا نفط ولا مياه فصنع دولة إنتاج بعقل إداري، والعراق يملك نفطاً وماءً وأرضاً وموقع قلب العالم، فعجزه ليس مادياً بل إدارياً وإرادياً. يمكن لثرواتنا أن تمول بنية تحتية للطاقة تربط الخليج بالشام وتركيا، وأن تعيد لأرض دجلة والفرات دورها كسلة غذاء، وأن تحول موقعنا إلى شريان تجارة عالمي بدل أن نبقى ساحة صراعه. من يتحكم بالطريق يتحكم بالقرار، ومن يربط الأسواق يصبح ضرورياً للجميع.

وهنا نصل إلى العقدة الثالثة والأخطر: عقدة النظام السياسي. التجربة المريرة بعد 2003 أثبتت أن النظام البرلماني التوافقي، حين يُزرع في تربة طائفية ومجتمع مجزأ، لا ينتج دولة، بل ينتج سوقاً لتقاسم الغنائم. تحولت المحاصصة إلى عقيدة حكم، وتحول البرلمان إلى بورصة ولاءات. وفي ظل وجود أحزاب ومليشيات ذات ولاء خارجي، صار القرار لا يصنعه الأكثر كفاءة، بل الأكثر قدرة على الابتزاز. تركيا استطاعت بعد هزيمة ساحقة أن تبني دولة مركزية بقيادة منتخبة مباشرة كسرت سلطة الولاءات القديمة وبنت على البرنامج لا الحصة، وهذا بالضبط ما يحتاجه العراق. العراق اليوم لا يحتاج نظاماً يوزع السلطة أفقياً بين الكتل، بل يحتاج نظاماً رئاسياً بضمانات دستورية صارمة يركز المسؤولية عمودياً في يد قيادة ينتخبها كل العراقيين وتحاسب أمامهم جميعاً. الرئيس الذي ينتخبه العراق كله لا يمكن أن يحكم باسم طائفة، بل مضطر أن يخاطب العراق كله.

لكن الانتقال إلى هذا الشكل من الحكم ليس وصفة سحرية، بل مشروع سياسي له شروطه حتى لا نكرر الخطيئة. أولها إنهاء ازدواجية السلاح فلا دولة قوية وسلاح خارج القانون. ثانيها إعادة بناء الأحزاب على أساس برامج وطنية لا هويات فرعية. ثالثها تقوية القضاء والمؤسسات الرقابية لتكون هي الميزان لا الميليشيا ولا العشيرة. ورابعها نظام انتخابي فردي يفرز نواباً مرتبطين بدوائرهم لا بكتلهم، فيعود البرلمان دوره تشريعياً ورقابياً. بهذا المعنى، المشروع السياسي الناجح هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على ثلاث ركائز: مركزية القرار المنتخب، ولا مركزية إدارية تعطي المحافظات حقها بعيداً عن مركزية بغداد الخانقة، وسيادة القانون التي تجعل الجميع تحت سقف الدستور.

وحين تستقيم السيادة السياسية ويستقيم الاقتصاد، يبقى التحدي الأكبر وهو العقد الاجتماعي الجديد. تجربة رواندا الأبلغ هنا: شعب ذاق الإبادة قرر أن يدفن سلاح الثأر ويبني اقتصاد التصدير، وقر أن الهوية الوطنية أهم من هوية العرق. وهذا هو اختبار العراق. بديل الطائفية والإثنية ليس شعارات مثالية، بل مصلحة مشتركة ملموسة. حين يجد المواطن سنياً كان أو شيعياً أو كردياً أن أمنه ووظيفته ومستقبل أولاده مرتبط بمشروع وطني واحد، عندها فقط يمكن أن نبني الهوية الوطنية من الأسفل، من قاعدة الاقتصاد والمصلحة، لا من قمة الخطاب.

وهكذا تكتمل دائرة العراق الجديد. تشخيص تاريخي يكشف جذر الداء في غياب السيادة، واستلهام من تجارب الأمم التي عبرت من الفوضى إلى التنمية المستدامة، ورؤية عملية تبدأ باسترداد الدولة لسلاحها وقرارها، وتمر بنظام سياسي ينهي زمن المحاصصة، وينتهي باقتصاد يحول جغرافيا العراق من نقمة إلى نعمة. التاريخ منح العراق أربع تجارب قاسية، واليوم يضع أمامه التجربة الخامسة والأخيرة. إما أن نكسر الدائرة المفرغة ونكتب قدرنا بأيدينا، فنصبح قلب الإقليم النابض بالإنتاج والاستقرار، أو نبقى ندور في نفس الحلقة، رهينة الأطماع القديمة بوجوه جديدة، وساحة لصراعات لا تنتهي. والخيار، لأول مرة منذ قرون، بأيدينا نحن.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى