علاقة الدين بالسياسة والقانون

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للخب والكفاءات
يلاحظ أن بناء المجتمعات المتماسكة والقوية طالما كان بحاجة إلى تناغم وتفاعل بين الدين والسياسة والقانون؛ كي يحقق أهدافه ويسهم في بناء مفاهيم المجتمع وتطبيق دساتيره وقوانينه. وهذه الثلاثة تشكل القاسم المشترك للحياة الإنسانية والمجتمعية بكل معانيها وقيمها.
فالدين، بالنسبة إليها، هو الأصل والجوهر الذي تُبنى عليه قواعد العدالة والقيم والأحكام، وهو الأساس الشرعي الذي تستند إليه القواعد والقوانين والمنظومات الإنسانية كافة، والمصدر الرئيس لاستنباط الأحكام والقوانين المنظمة لحياة الأفراد في المجتمع.
أما السياسة فهي الآلية التي تدير شؤون الدولة ومؤسساتها باستخدام سلطاتها وأنظمتها، وأما القانون فهو الضابط الذي يحتكم إليه الجميع، حاكمًا ومحكومًا، وهو الملزم الذي تخضع له السلطة والأفراد، ويضبط إيقاع الجميع.
ويجب أن تكون النظرة إلى الدين بوصفه كيانًا روحيًا متجذرًا، وأساسًا للمرجعية في القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة ومبادئ العدالة والمساواة. كما يغذي الدين النظم السياسية الحديثة بالقيم التي تعين الدولة ومؤسساتها الحكومية على إدارة شؤونها بما يؤمن الحياد والعطاء، دون الأخذ بعين الاعتبار المذهب أو الطائفة أو المعتقد.
لذلك، يتوجب على النظم السياسية الابتعاد عن تسييس الدين بأي ذريعة كانت. أما القانون فهو النصوص المكتوبة والواجبة التطبيق التي تحكم سلوك أفراد المجتمع داخل الدولة، وفقًا للتصرف الذي يعاقب عليه القانون، مع الأخذ بعين الاعتبار القصد أو حسن النية أو الخطأ. والقانون هو الأداة والوسيلة التي تستخدمها السلطة لتطبيق سياساتها الهادفة إلى تحقيق الأمن والاستقرار وضمان حقوق المجتمع بعدالة وإنصاف.
ويُعد الدين الغذاء الروحي للمجتمع، ومصدرًا أساسيًا لتشريع القوانين المدنية والجزائية التي تنبع أصولها وأحكامها من الشريعة الإسلامية. وعلى سبيل المثال، قوانين الأحوال الشخصية النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويظهر ذلك جليًا في نظم المعاملات، كالوصية والزواج والميراث، والأعمال المالية والمصرفية، وكذلك في الأحكام ذات الصلة بالتعويضات.
وتتجلى أهداف الدين والقانون سويًا في خلق توازن طموح وعدالة اجتماعية، وتعضيد أواصر العلاقات الإنسانية. مضافًا إلى ذلك، فإن الدين يهتم بالنوايا الباطنية للإنسان وواجباته تجاه خالقه، في حين يقتصر القانون الوضعي على محاسبة سلوك الأفراد على أفعالهم التي يعاقب عليها القانون.
وخلاصة القول، فإن الدين والسياسة والقانون يمثلون ركائز أساسية متكاملة لبناء المجتمعات الراقية والمتقدمة، أيا كانت أنظمتها. فالدين يمنح الأسس الأخلاقية والإيمانية والروحية، أما السياسة فتعني إدارة شؤون الحكم، وتوزيع الثروات والموارد، وتنظيم العلاقة بين الحكومة والشعب وفق الأطر القانونية الملزمة للطرفين، والتي تُصاغ بموجبها الإدارات الرشيدة.
إن إبعاد الدين عن السياسة أمرٌ وجوبي، ولا يحق لأي مذهب أو طائفة استغلاله لمصالحها، أو للحصول على مكاسب مادية أو معنوية، بحجة النص الدستوري الوارد في الفقرة (ثانيًا) من المادة (2/ثانيًا)، التي تنص على: «يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة، كالمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين». فليس هناك، من وجهة نظرنا، مبرر لهذا النص.
ونرى أن من الواجب تعديل دستور (2005) بما يضمن عدم ذكر خصوصية الطوائف الدينية أو القومية، أيا كانت هويتها، والمباشرة بتعديل نصوص الدستور وفق سياق العدالة القانونية التصالحية، دون الأخذ بنظر الاعتبار الفارق العددي أو الزمني.
إن إعادة النظر في صياغة الدستور وتعديلها أصبحت أمرًا وجوبيًا وعاجلًا، بدءًا من الديباجة وحتى آخر نص فيه، فليس من المقبول ولا المعقول أن تبقى نصوصه على حالها رغم مرور هذه المدة.
إن التمسك بالعداء التقليدي والزمني، والاعتماد على حوادث ضعيفة في مصداقيتها، أو بحجج واهية لا صحة لها، أو لحق بها الشك وابتعد عنها اليقين، لا يمكن أن يكون أساسًا لبناء دولة مستقرة. ومن هنا فإن البداية تكون بإلغاء تلك النصوص أو تعديلها، وإلا سيبقى العراق يعاني من التناحر وشدة الخلاف إلى حين.



