المقارنة المرجعية مدخلًا استراتيجيًا لمعالجة أزمة التعليم في العراق

بقلم: الأستاذ الدكتور قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
عضو لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
لم يعد إصلاح التعليم في الدول المعاصرة قائمًا على الاجتهادات المحلية أو المعالجات الجزئية، بل أصبح يعتمد على أدوات علمية حديثة في التشخيص والتطوير، من أبرزها المقارنة المرجعية، التي تمثل منهجًا استراتيجيًا قائمًا على الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة. وفي العراق، حيث يواجه النظام التعليمي تحديات مركبة ومتراكمة، تبرز هذه الأداة بوصفها مدخلًا واقعيًا وفعّالًا لإعادة بناء التعليم على أسس حديثة.
إن المقارنة المرجعية لا تعني النقل الحرفي للتجارب الدولية، بل تقوم على فهم عميق لآليات النجاح في الأنظمة التعليمية المتقدمة، ومن ثم تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصية الوطنية. فهي عملية منهجية تهدف إلى قياس الأداء، وتحديد الفجوات، واستلهام أفضل الممارسات، وصولًا إلى بناء نموذج تعليمي قادر على المنافسة والاستدامة.
يعاني التعليم في العراق من مجموعة من الاختلالات البنيوية التي انعكست بشكل مباشر على جودة مخرجاته، ومن أبرزها ضعف الربط بين التعليم وسوق العمل، وتراجع مستوى الكفاءة المؤسسية، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، فضلًا عن تأثير العوامل غير الأكاديمية على مسار العملية التعليمية. وفي ظل هذه التحديات، لم تعد الحلول التقليدية كافية، بل أصبح من الضروري تبنّي مقاربات حديثة تستند إلى تحليل مقارن يضع النظام التعليمي العراقي في سياق عالمي.
لقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن التحول التعليمي يمكن أن يكون نقطة الانطلاق نحو نهضة شاملة. ففي فنلندا، تم التركيز على جودة المعلم بوصفه حجر الأساس في العملية التعليمية، مع تقليل الاعتماد على الامتحانات التقليدية وتعزيز مهارات التفكير والإبداع. أما في سنغافورة، فقد تم ربط التعليم بشكل وثيق بخطط التنمية الاقتصادية، من خلال تخطيط استراتيجي طويل الأمد وتحديث مستمر للمناهج. وفي كوريا الجنوبية، شكّل الاستثمار المكثف في التعليم، إلى جانب ترسيخ ثقافة الانضباط والجدية، أساسًا لتحولها إلى واحدة من الاقتصادات المتقدمة.
إن الاستفادة من هذه النماذج لا تعني استنساخها، بل تتطلب قراءة نقدية واعية، تأخذ بعين الاعتبار السياق العراقي من حيث الإمكانات والاحتياجات والخصوصيات الثقافية والاجتماعية. ومن هنا، فإن تطبيق المقارنة المرجعية في العراق ينبغي أن يبدأ بتشخيص دقيق للواقع التعليمي، من خلال تحليل الأداء المؤسسي، وقياس جودة المخرجات، وتحديد مواطن الخلل بدقة علمية.
بعد ذلك، تأتي مرحلة اختيار النماذج المرجعية المناسبة، بحيث يتم انتقاء التجارب التي يمكن تكييفها بواقعية، بعيدًا عن المثالية أو النقل الحرفي. ثم تُصاغ السياسات التعليمية الجديدة بطريقة تدريجية، تسمح بالتجريب والتقييم المستمر، مع وضع مؤشرات أداء واضحة تُمكّن من قياس التقدم وتصحيح المسار عند الحاجة.
ولا شك أن هذا المسار سيواجه تحديات متعددة، من بينها مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات، وضعف الإمكانات في بعض القطاعات، فضلًا عن الحاجة إلى إرادة سياسية داعمة للإصلاح. غير أن هذه التحديات لا ينبغي أن تكون مبررًا للتردد، بل دافعًا لتبني نهج إصلاحي أكثر وعيًا ومرونة.
إن المقارنة المرجعية، في جوهرها، ليست مجرد أداة فنية، بل هي تعبير عن عقلية منفتحة تسعى إلى التعلم من الآخرين دون التفريط بالهوية. وهي، إذا ما طُبقت ضمن رؤية وطنية واضحة، يمكن أن تسهم في نقل التعليم في العراق من حالة التراجع إلى مسار التطوير الحقيقي.
وفي الختام، يمكن القول إن إصلاح التعليم في العراق لن يتحقق عبر الانغلاق أو الاجتهادات الفردية، بل من خلال تبنّي منهج علمي منفتح يستند إلى التجارب الناجحة، ويعيد صياغتها بما يخدم الواقع الوطني. فالتقدم لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها تحولات العصر، ويبقى التعليم هو الميدان الذي تُحسم فيه معركة المستقبل.



