لجنة الصناعة و الطاقة

المنتدى العراقي للنخب والكفاءات… بين الانتساب الشكلي والانتماء الفاعل

د. بشار عبد الجبار صالح بك

نائب الأمين العام للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات

حزيران 2026

 

يحتلّ المنتدى العراقي للنخب والكفاءات موقعاً لافتاً في مشهد منظمات المجتمع المدني العراقية، بوصفه إطاراً يضم عدداً من الخبرات العلمية والمهنية داخل العراق وخارجه. غير أنّ هذا الحضور، على أهميته، يثير سؤالاً نقدياً لا يمكن تجاوزه: هل العلاقة بالمنتدى علاقة انتساب، أم انتماء فكري ومهني يعبّر عن مشروع وطني واضح؟

إشكالية الهوية المؤسسية

تواجه العديد من منظمات المجتمع المدني في العراق معضلة تعريف الذات: هل هي منصات فكرية لإنتاج السياسات، أم فضاءات اجتماعية للتواصل، أم واجهات رمزية تُجمّع الأسماء دون مشروع؟

المنتدى العراقي للنخب والكفاءات ليس استثناءً من هذه الإشكالية. فبينما يقدّم نفسه كحاضنة للكفاءات، يبقى دوره العملي محدودا لأسباب مختلفة مما يجعل العلاقة معه أقرب إلى الانتساب منه إلى الانتماء.

فالانتساب، في بنيته، علاقة إدارية تُمنح فيها العضوية بقرار أو دعوة، بينما الانتماء علاقة معرفية وقيمية تتأسس على مشروع مشترك، ورؤية، وأثر ملموس في المجال العام.

يمتلك المنتدى، من حيث المبدأ، طاقات بشرية قادرة على إنتاج معرفة نوعية في مجالات الاقتصاد، التعليم، الصحة، الطاقة، والحوكمة. لكن هذه الإمكانات لا تتحول دائماً إلى برامج أو مبادرات أو أوراق سياسات.
رغم ان المنتدى بني على أسس وعلى نظام داخلي متماسك تم فيه تحديد الأولويات ومجالات العمل .

الا ان عمل المنتدى واكبه بعض العثرات لأسباب منها

ان اليات العمل اعتمدت كثيرا على النشاط الموسمي أو المناسبات مما حدّ من القدرة على التأثير.
تشتت الجهد الفردي فتحولت الكفاءات إلى أسماء، لا إلى فرق عمل منتجة.

وتحولت العضوية أحيانا الى صفة اجتماعية، لا إلى التزام معرفي أو وطني.

ان الانتماء في منظمات او تجمعات من هذا النوع لا يُقاس بعدد الأعضاء، بل بقدرتهم على إنتاج معرفة قابلة للتطبيق، والتأثير في السياسات العامة، وخلق جسور بين الداخل والخارج، والاهم من هذا كله هو تحويل الخبرة الفردية إلى قوة جماعية

وعليه، فإنّ الانتماء ليس حالة شعورية فحسب، بل ممارسة يومية تتجسد في مبادرات، تقارير، مواقف، وشراكات.

علمتنا مهنتنا الهندسية في ميثاق أخلاقيات المهنة بأن على الاعضاء المهنيين واجب خدمة وحماية المصلحة العامة، مع الالتزام دائمًا بالعدل وتلبية احتياجات المجتمع والتحلي بالنزاهة المهنية.

إن التركيز على الشمولية في العمل يقوّي قدرتنا الجماعية على الابتكار والتكيّف وتصميم الحلول ويبعث برسالة واضحة: أنت تنتمي إلى هذا المكان. بحيث يتمكن كل منتم وكل من يطمح لأن يصبح عضوا في المجموعة من رؤية مكانٍ له في هذا المنتدى.

ان المنتدى مجتمع متنوع وشامل مبني على الثقة والإبداع لدفع عجلة النمو والازدهار والسلامة ومستقبل أفضل للجميع، وذلك يتطلب التزامًا مشتركًا ومستمرًا من خلال إزالة العوائق وفتح المسارات أمام الكفاءات الأكفاء من جميع الخلفيات للدخول إلى المنتدى والنجاح فيه، وبذلك نصبح أكثر قدرة وقوة وأكثر استعدادًا للاستفادة من قوة الابتكار.

إن الانتماء لا يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب تعاون الجميع. ويتطلب تنوع وجهات النظر والأفكار والخبرات بما يعزز حل المشكلات والابتكار والإبداع.

ولكي يتحول المنتدى العراقي للنخب والكفاءات من إطار انتسابي إلى فضاء انتمائي، يحتاج إلى مراجعة نقدية داخلية تعيد صياغة دوره وفق ثلاثة محاور:

1. بلورة رؤية وطنية واضحة تتجاوز العموميات وتحدد أهدافاً قابلة للقياس.
2. إرساء بنية مؤسسية تعتمد على لجان فاعلة، وبرامج عمل ،وآليات متابعة ،وتقييم.
3. إنتاج معرفي منتظم يضع المنتدى في موقع الشريك في صناعة القرار، لا المراقب من بعيد.

بهذه الخطوات يمكن للمنتدى أن يتحول من تجمع للنخب إلى مؤسسة فكرية مؤثرة، ومن فضاء للانتساب إلى فضاء للانتماء الحقيقي.

خاتمة

إنّ السؤال «انتساب أم انتماء؟» ليس سؤالاً لغوياً، بل سؤال وجودي يتعلق بمستقبل المنتدى ودوره في الحياة العامة العراقية. فالانتساب يمنح شكلاً، أما الانتماء فيمنح معنى. وبين الشكل والمعنى، تُبنى المؤسسات التي تترك أثراً، وتنهض الأوطان التي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نخب فاعلة، لا نخب مكتفية بالحضور الرمزي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى