نظرة في تشكيل هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
سبق أن تم توجيه دعوة إلى مجلس النواب لإدراج مشروع قانون الرقابة الداخلية ضمن جدول أعماله وتشريعه، باعتبار أن هذا القانون يمثل ضرورة للحد من تفشي ظاهرة الفساد المالي. وفي مؤتمر صحفي، دعا رئيس كتلة الإعمار والتنمية إلى إدراج المشروع ضمن جدول أعمال مجلس النواب، لأهميته وارتباطه المباشر برئيس مجلس الوزراء، ولسد الفراغ التشريعي والرقابي بين ديوان الرقابة المالية والجهات الرقابية الأخرى، بما يسهم في تعزيز حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة والحد من تصاعدها.
ولكي لا أطيل، سأستعرض بإيجاز مضمون هذا المشروع، الذي تضمن استحداث رقابة جديدة على المؤسسات العامة، تهدف إلى إحكام الرقابة على الحسابات وتطويق الهدر، إذ إن الرقابات الحالية تقتصر على مدى الالتزام بالأنظمة والتعليمات، ولا تمتد إلى تقييم أداء المؤسسة وإنتاجيتها.
وقد تضمن المشروع إخضاع حسابات المؤسسات العامة، والأجهزة والهيئات التابعة للدولة، لتدقيق مفوض المراقبة الداخلي ومكاتب التدقيق والمحاسبة، إضافة إلى رقابة وزارة المالية وديوان الرقابة المالية المنصوص عليهما في القوانين والأنظمة النافذة. كما نص على أن تخضع حسابات المؤسسات العامة والأجهزة والهيئات التي تتمتع باستقلال مالي وإداري لتدقيق مفوض مراقبة داخلي ومكتب تدقيق ومحاسب معتمد.
ونص المشروع كذلك على تعيين مفوض مراقبة داخلي من قبل مجلس إدارة المؤسسة العامة أو الجهة التي تتولى إدارة شؤونها، على أن يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، ولمدة سنة قابلة للتجديد. كما يمارس مفوض المراقبة الداخلي ومكتب التدقيق والمحاسبة مهامهما وفق أصول التدقيق والمراجعة المتعارف عليها والمعتمدة في القطاع الخاص.
وتُرفع تقارير مفوض المراقبة الداخلي ومكتب التدقيق والمحاسبة إلى كل من وزير المالية، والوزير المختص، ووزير الوصاية، والتفتيش المركزي، ومجلس إدارة المؤسسة المعنية، إضافة إلى لجنة الرقابة السنوية على المؤسسات العامة في ديوان المحاسبة بالنسبة للمؤسسات الخاضعة لرقابته. كما تعتمد هذه التقارير، إلى جانب تقارير المراقب المالي بالنسبة للمؤسسات المشمولة برقابته، في بيان الأوضاع المالية والنتائج الاقتصادية لأعمال الجهة أو المؤسسة خلال السنة التي يغطيها التقرير.
ولكي لا أطيل، فإن المشروع تضمن العديد من الإجراءات والآليات والرقابات الروتينية المعقدة. وفي المقابل، أوضحت الأسباب الموجبة للمشروع خضوع المؤسسات العامة الإدارية والاستثمارية، أو ذات الطابع الاجتماعي، لأحكامه.
وأعرض بإيجاز أبرز ما يتعلق بهذا المشروع، الذي استبدلت تسميته في أول اجتماع لمجلس الوزراء إلى هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية، والتي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، ويكون رئيسها بدرجة وزير، ونائبه بدرجة وكيل وزير.
ومن أبرز مهام الهيئة مراقبة الوزارات وكافة المؤسسات الرسمية، باستثناء الجهات المرتبطة بديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة. ويتمثل الهدف من استحداثها في منع الفساد، والحد من هدر المال العام، ومنع سوء استخدام السلطة. كما نص المشروع على منح العاملين فيها مخصصات بنسبة (50%) من الراتب الاسمي.
أما الهيكل التنظيمي للهيئة، فيتكون من رئيس بدرجة وزير، ونائب بدرجة وكيل وزير يحل محل الرئيس عند غيابه، إضافة إلى دوائر الشؤون القانونية، والشؤون الإدارية والمالية، والتدقيق والرقابة الداخلية، والعلاقات العامة والإعلام، والتخطيط والمتابعة، والتدريب والتطوير.
وقد أسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أعمال الرقابة الداخلية من خلال أتمتة عمليات التدقيق المالي، والإنذار المبكر بالمخاطر قبل وقوعها، والكشف عن حالات الفساد والاختلاس وسرقة المال العام، ورفع كفاءة العاملين عبر تحليل البيانات بدقة وسرعة عاليتين. كما يسهم في أتمتة الفحص المالي، وتعزيز الرقابة الاستباقية، وتحليل البيانات الضخمة، ومعالجة المعاملات اليومية للمؤسسات الاتحادية وتصنيفها بحسب درجة الخطورة، وربط ديوان الرقابة المالية الاتحادي بمكاتب المفتشين والدوائر الداخلية إلكترونياً.
كذلك يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في كشف الأنماط المشبوهة، وتقليل الاعتماد على العنصر البشري، وفحص الذمم المالية للمسؤولين، وتقييم النزاهة الرقمية، فضلاً عن العديد من التطبيقات الأخرى.
أما أبرز التحديات والمعوقات، فتتمثل في ضعف البنية التحتية، والفراغ التشريعي، ومقاومة التغيير.
ومن خلال قراءتنا لمشروع تشكيل هذه الهيئة، فإنها تمثل إضافة مهمة في مجال الرقابة الاستباقية، وعدم الاكتفاء بالجهات الرقابية القائمة، مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، على أن تكون رقابة تكاملية تعمل بالتنسيق مع مختلف المؤسسات المالية.
ومع ذلك، قد لا يحظى مشروع تشكيل هذه الهيئة بموافقة مجلس النواب، لأسباب منها عدم وجود مبرر كافٍ في ظل وجود ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، فضلاً عن الكلف المالية والإدارية المترتبة على إنشائها. ويبقى القول الفصل في هذا الشأن لمجلس النواب، وليس لمجلس الوزراء، الذي يقتصر دوره على عرض مشروعات القوانين واقتراحها، دون إقرارها، وذلك وفقاً لما يفهم من أحكام دستور جمهورية العراق لسنة (2005).



