كهفٌ بسعر الصرف الرسمي.. وحكوماتٌ تُصرّ على النوم

بشار عبد الجبار صالح بك
نائب الامين العام
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
خاطرة قصيرة للأستاذ عماد عبد اللطيف سالم تحت عنوان (إخترنا البقاء داخل الكهف) حيث استخدم رمزية “أهل الكهف” ومعاناتهم مع عملتهم التي عفا عليها الزمن وتغيرت قيمتها فعانوا من الفرق في سعر صرف “ورقهم”.. حين أخذوا “ورقهم”، ونزلوا به إلى المدينة، فوجدوا أنّ قيمته “الرسميّة” قبل أكثر من 300 عام، كانت أكبر بكثير من قيمته في السوق الان، بل أن “ورقهم” لم تكن له أية قيمة لحظة استيقاظهم تلك… حفزتني ان أفكر في استدعاء هذه الرمزية لتشخيص المعاناة اليومية للعراقي مع متوالية الفجوة بين السعر الرسمي لـ (الدينار/الدولار) والسعر الموازي.
أن تأخذ “ورقك” وتنزل به إلى سوق المدينة لتكتشف أن زمانه قد مضى، وأن القوة الشرائية لجيبك أصبحت أثراً بعد عين؛ فتلك ليست مجرد حكاية تاريخية عن أهل الكهف، بل هي تفصيل يومي يعيشه العراقي صباح كل يوم. الفارق الوحيد أن فتية الكهف الأولين استيقظوا بعد ثلاثمئة عام ليجدوا عملتهم قد أصبحت تحفة أثرية تُباع للمتاحف، بينما يستيقظ العراقي بعد ثلاث ساعات نوم ليجد عملته الوطنية قد فقدت قيمتها أمام “الدولار الموازي”، وكأن الزمان يركض في أروقة البورصة بأسرع من ضوء الشمس.
إن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق السوداء – أو “الموازي” كي نُجمّل قبح الواقع – لم تعد مجرد معادلة رياضية يحلها خبراء البنك المركزي. إنها جدارٌ من الفساد المستشري والهدر الممنهج، يلتهم عرق الموظف وأجر العامل وصبر المواطن، ليصب في نهايته في مطاحن غسيل الأموال وتهريب العملة.
والمثير للضحك كإعادة لمأساة مبكية، أن البلاد لا تفتقر إلى “أهل الرأي”. فعشرات الخبراء والمفكرين والاقتصاديين يُحذّرون ليل نهار، ويقدمون طرقا علمية لانتشال الدينار من قاع التضخم والتبعية. لكن القائمين على إدارة المشهد لا يكتفون بإغلاق آذانهم عن النصيحة، بل “يُوغلون ” في التجاهل، ويردون على التحذير بالمزيد من القرارات الترقيعية والتخبط الإداري، وكأن معيار النجاح لديهم يقاس بمدى قدرة السوق على امتصاص صدمات الفساد.
لقد أصبح المواطن العراقي يتمنى لو يدخل في “نومة أهل الكهف” حقاً؛ لا هرباً من الحياة، بل طمعاً في الاستيقاظ على واقعٍ لا يتقلب فيه سعر خبزه مع تقلبات المزاج السياسي والمالي.
لكن الكارثة أنك، حتى لو غططت في نوم عميق لقرون، ستستيقظ لتجد العجز هو العجز، والحلول الترقيعية هي ذاتها ، لأن البنية الاقتصادية محكومة بآلية تعتاش على الأزمات بدلاً من معالجتها.
حين تصبح السياسات المالية مجرد صدفة، والتخطيط الاقتصادي محض أوهام، وتصمّ الطبقة الحاكمة آذانها عن كل صوت يبتغي الإصلاح، تتلاشى كل النظريات الاقتصادية وتتساقط خيارات البشر، ولا يبقى أمام هذا الشعب المنهك إلا السكينة واللجوء لرب السماوات والأرض مرددا.. “لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ”.



