نحن والذكاء الإصطناعي

أ . د إسماعيل خليل إبراهيم
نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة
في البدء لابد لنا من طرح أسئلة نرى أنها غاية في الأهمية ومنها : هل علينا التعامل بإيجابية مع أي جديد يحصل في مجالات الحياة دون التعمق في إيجابياته وسلبياته والتوقف عندها ؟ هل علينا تجاوز السلبيات لمجرد أن هذا الجديد يقدم لنا خدمة ما ؟ هل علينا أن نتقبل الجديد على الرغم من أنه سيحجم دورنا في الحياة ؟ هل نحن ملزمون بالإشادة بشيء أنتجته عقولنا ونتمسك به ونستغني عن عقولنا التي أبدعته وأنتجته ؟ بعد أن فشلت القوة العسكرية والإقتصادية ونهج العولمة في السيطرة على شعوب العالم وفرض نمط فكري وحياتي عليها هل جاء دور ( ايلون ماسك ) وثروته لتحقيق هذا الهدف عن طريق الذكاء الإصطناعي ؟
المعنى اللغوي لكلمة اصطناعي : ينسب إلى الاصطناع ، بمعنى المحاكاة أو التكلف لشيء يقلد الطبيعة ولا يوجد فيها بذات الشكل مثل ( الذكاء الاصطناعي ، زهور اصطناعية ، نكهات اصطناعية ) . إذاً الغاية من الذكاء الاصطناعي محاولة محاكاة العقل البشري وإثبات عجزه عن تقديم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي على الرغم من أنه نتاج لهذا العقل وهنا تكمن المفارقة .
أسوق هذه المقدمة لأنني أقرأ كل يوم العديد من التعليقات والمقالات التي تتحدث بإعجاب منقطع النظير عن الذكاء الإصطناعي ومجالات استخدامه وما سيقدمه للبشر من خدمات على الصعد كافة دون الحاجة لبذل جهد عقلي أو بدني ، وإنه سيكون البديل عن عقولنا في استكمال مسيرة التطور الذي كان وعلى مدار تأريخ البشرية نتاج عقل الإنسان ، وسنستعين به في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتنا وسيتحكم بنا وبالأجيال القادمة . يذكرني هذا الأمر بمشركي قريش الذين كانوا يشترون الألهة التي يصنعها البشر ليعبدوها ويسألونها الفلاح والنجاح ، ويستشيرونها في كل شؤون حياتهم ، وينسبون لها الفضل في كل خير يصيبهم على الرغم من إقرارهم بوجود الله وهذا ما وردت نصوص عنه في العديد من آيات القرآن الكريم ، وها نحن مطالبون أن نستبدل الأصنام بالذكاء الإصطناعي والفارق بينهما أن الذكاء الإصطناعي يجيبنا إن سألناه وهو ما تعجز عنه الأصنام . قد لا يروق هذا التشبيه للبعض لكن هذا ما أراه . لا شك أن للذكاء الإصطناعي إيجابيات أبهرتنا لكن هل سيبقى انبهارنا به ذاته إن تعرفنا على سلبياته ومنها :
أولاً : سنركن عقولنا على الرف إذ لا تعود لنا حاجة بها بعد أن سلبناها أهم ميزاتها التي وهبنا إياها الله عز وجل وهي التفكير والاستنباط والإبداع والإبتكار ، ولن يتوقف آلأمر عندنا بل سيمتد للأجيال القادمة مما يفقد الحياة أهم عناصر جمالها وديمومتها وهو العقل ، وسيكون الإبداع والإبتكار نتاج الذكاء الإصطناعي وليس نتاج عقولنا وليس أمامنا سوى القبول بها ، ويكفي أن نخبره بما نريد ليتولى هو المهمة ونكتفي بالإنتظار ونحن نحتسي الشاي والقهوة .
ثانيا ً: إن كانت التقنيات التي دخلت ميداني الصناعة والزراعة قد حجمت دور الإنسان إلى حد ما واستبدلته بالآلة فإن الذكاء الإصطناعي سيجرد الإنسان من دوره الإنساني والتفاعلي مع أخيه الإنسان ، وستنتقل مهمة إعمار الأرض التي أوكلها الله للبشر إلى الذكاء الإصطناعي .
ثالثاً : سيعتمد أبناؤنا وأحفادنا على الذكاء الإصطناعي في كل صغيرة وكبيرة وعندها لن نجد فيهم عالماً أو مبدعاً بل عقول كسولة وهي كارثة تهدد مستقبل البشرية والعالم ، وبعد أن كانت الشعوب تباهي بعضها البعض بعلمائها ومبدعيها في جميع مجالات الحياة لن تجد بعد اليوم ما تتفاخر به .
رابعاً : لن نكون بحاجة لمعرفة قواعد اللغة وحفظ مفرداتها فالذكاء الإصطناعي سيتولى هذه المهمة فيكتب لنا باسلوبه وبالمفردات التي يختارها ، ويضبط لنا القواعد وسنطلب منه قراءة ما كتبه لأننا لا نجيد القراءة ، ولن يظهر منا شعراء وأدباء وفنانون .
خامساً : لن نكون بحاجة لمعرفة أسس وقواعد العلوم وتطبيقاتها في ظل وجود من يَعرِفُها وَيُلم بها ويقدمها لنا دون عناء وتعب وعلينا القبول بها كما هي .
سادساً : سنترك القراءة والبحث عن المعرفة والجديد فيها إذ لم نعد بحاجة لها فالبركة بالذكاء الإصطناعي الذي يزودنا بكل ما نحتاجه وما علينا سوى النقر على الشاشة ونترك للذكاء الإصطناعي اتمام المهمة ، وستفقد المدرسة والمعهد والكلية أدوارها لصالح الذكاء الإصطناعي .
سابعاً : ستختفي مقاييس وضوابط معرفة المبدع من سواه والمتميز من غيره والذكي من الأقل ذكاءً التي اعتمدها البشر منذ قرون عديدة سابقة والفضل في ذلك للذكاء الإصطناعي الذي سيساعد الجميع ويكون في خدمة من يطلب عونه ومساعدته .
ثامناً : سيختفي الكتاب والمجلات والمواقع العلمية ، ولن نكون بحاجة لمؤلفين وباحثين جدد ، وبعد أن كانت الأصالة في البحث العلمي نتاج العقل البشري ستصبح نتاج الذكاء الإصطناعي .
تاسعاً : سيكون من الصعب التمييز بين ما هو صادق وحقيقي وما هو زائف وغير حقيقي ، وكيف سنتمكن من منع الأشرار والفاسدين من الاستخدام السيء للذكاء الإصطناعي حيث سيكون بإمكانهم وبسهولة إلصاق تهم ومشاهد سيئة ومسيئة بأشخاص لا علاقة لهم بها لمجرد الإساءة لهم أو النيل منهم لأغراض شخصية ، وكيف سيكون بإمكان المجتمع تجاوز أثار هذه الممارسات المنحرفة في ظل عدم وجود القدرة على الحيلولة دونها ؟ لماذا نضع بيد السيئين والأشرار والمفسدين أدوات يستبيحون بها خصوصيات و حرمات الآخرين على أمل وضع القوانين التي تحد من أفعالهم المشينة هذا إن تم وضعها فعلاً ؟ كم من الجهد و الوقت علينا أن نثسَخِر للحد من أفعالهم التي ساهم فيها الذكاء الإصطناعي ؟ هل حدت القوانين والضوابط الحالية من الاستخدام السيء للبعض لوسائل التواصل الاجتماعي ؟
عاشراً : إلى الذين يقولون أن علينا مسايرة العالم في ما وصله نقول نعم علينا ذلك ولكن عن طريق التفاعل بين عقول مبدعينا وعلمائنا ومفكرينا وأن نضيف لما وصله العالم لا أن نتحول لأداة لتلقي ما يقدمه لنا الذين يقفون خلف الذكاء الإصطناعي ويتحكمون به من خلف الستار ، علينا أن نستفيق قبل فوات الأوان كي لا نقدم البشرية ومستقبلها على طبق من ذهب للذين يريدون إعادتها إلى عصر الجهل والتخلف ويتحكموا بها كيف شاؤوا . علينا أن نواكب التطور الذي يكون خالصاً لخدمة البشرية وليس أي تطور سواه .
حادي عشر : بعد أن أصبح الانترنيت والهاتف المحمول البديل عن العائلة والأصدقاء سيصبح الذكاء الإصطناعي العالم الذي نعيش فيه بمفردنا لأننا لن نعود بحاجة للأخرين ، ولن نجد من يذكر شيئاً عن العلاقات الإنسانية والصداقة والحب .
ثاني عشر : إن كانت الروبوتات هي التي ستقوم بانجاز الأعمال والمهام التي يقوم بها البشر حالياً فما جدوى وجودهم وما قيمة حياتهم ؟ وكيف يمكن تلافي أو تدارك المشكلات النفسية والإجتماعية التي سيواجهونها في ظل وقت الفراغ الدائم الذي يعيشونه ؟ وإن كانت الأجور تمنح لهم الأن مقابل الأعمال التي يقومون بها فهل يعقل أن تمنحهم حكوماتهم اجوراً وهم جالسون في بيوتهم ؟
ثالث عشر : إن كان الذكاء الاصطناعي هو الذي سيرسم ملامح المستقبل وسبل تطوره وهو المبدع والمبتكر ، وهو من يقدم لنا الإجابة عن كل ما نسأل عنه ونريد معرفته فما الحاجة للتعليم ؟ وكيف للإنسان القبول بحياة لا يد له في اختيار نمطها ومفرداتها وشكلها ؟
رابع عشر : منذ الاف السنين وعقل الإنسان هو المبدع والمبتكر ، وتفاعل العقول أثمر ما وصلته البشرية من تقدم وتطور فكيف يمكن له القبول بتحويله الأن إلى وعاء مهمته استقبال وخزن ما يتم تزويده به دون أن تكون له القدرة على مناقشته واختيار ما يريده وما يلائمه وتغيير أو تعديل ما يراه بحاجة للتعديل أو التغيير مما جعله وكأنه يسير في طريق ذو اتجاه واحد ؟
خامس عشر : سؤال نوجهه إلى ( ايلون ماسك ) : هل إن الثروة التي جمعتها على مدار السنوات الطوال الماضية كانت نتاج الذكاء الإصطناعي الذي لم يكن قد ظهر بعد أم حصيلة ما قمت به بمساعدة من عمل معك ؟
أخيراً نقول لا خير في علم فيه هامش أي كان قدره يمكن توظيفه بشكل سيء من قبل البعض ضد البعض الأخر ، فالعلم إن لم يكن خالصاً لصالح البشرية وفي خدمتها فلا حاجة للبشرية به . هذه وجهة نظرنا ويكفينا ما نعانيه من الإستغلال السيء للأنترنيت ولوسائل التواصل الإجتماعي ولسنا بحاجة لوسيلة جديدة .



