لجنة الصناعة و الطاقة

 ماذا يعني تزويد العراق بمنظومة (الاتصال عبر الفضاء) ستارلينك؟

د. بشار عبد الجبار صالح بك

أستاذ مشارك ومهندس استشاري

 الجمعة 14/08/2026

منذ عقود والعراق يتخلف عن بقية دول المنطقة (على اقل تقدير) في مستوى خدمات الاتصالات والمعلومات وتعاني بنيته التحتية للاتصالات من الكثير ولا زالت… مما يتطلب إجراءات وتنفيذ منظومات وبنى تحتية على كافة المستويات لكي يواكب العصر وما وصل اليه العالم اليوم…

عندما يتصل شخص ما بالإنترنت في بغداد أو الموصل او البصرة أو أربيل، فأن البيانات تنتقل عبر برج اتصالات أو كابل ألياف ضوئية تحت الأرض الى الجهة المستقبلة، ولكن … ماذا يحدث عندما لا يكون هناك برج قريب، ولا اتصال بالألياف الضوئية، ولا شبكة أرضية؟

هنا يظهر دور خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ومنها منظومة ستارلينك التي طورتها شركة سبيس إكس.

في تموز/يوليو 2026، منحت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية ستارلينك ترخيصاً لتقديم خدماتها في العراق، فاتحةً الباب أمام نموذج مختلف للاتصال يصبح فيه الفضاء جزءاً من البنية التحتية للاتصالات في البلاد وقد اثار هذا الاتفاق لغطا كبيرا بين موافق ومعارض لاسباب فنية او تنافسية او حتى سياسية… وبعيدا عن كل ذلك ولكي نفهم اصلالموضوع لنسأل انفسنا: كيف تعمل منظومة ستارلينكً؟

على خلاف شبكات الإنترنت التقليدية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأبراج والكابلات الأرضية، يستخدم ستارلينكآلاف الأقمار الصناعية العاملة في مدار أرضي منخفض، يثبّت المستخدم جهازاً طرفياً صغيراً ويتصل هذا الجهاز بقمر صناعي يمر فوقه، ثم تُوجَّه البيانات عبر الفضاء الى وجهتها باستخدام ما يسمى شبكة ستارلينك .

الفكرة ليست أن قمراً صناعياً واحداً يبقى ببساطة فوق العراق ويخدم مستخدميه. بل إن شبكة كبيرة من الأقمار الصناعية تتحرك باستمرار حول الأرض، فيما يحوّل النظام الاتصالات بين الأقمار الصناعية مع تغير مواقعها.

وتصبح التقنية أكثر إثارة للاهتمام لأن بعض أقمار ستارلينك الصناعية تستخدم روابط ليزرية للتواصل فيما بينها. وهذا يسمح للبيانات بالانتقال بين الأقمار الصناعية في الفضاء قبل أن تصل إلى محطة أرضية.

قد يبدو الأمر معقداً، لكن تجربة المستخدم يمكن أن تكون بسيطة نسبياً: جهاز طرفي صغير في منزل أو شركة أو موقع ناءٍ، مع اتصال بالسماء.

والان: كيف يمكن لستارلينك أن يغطي العراق؟

العراق بلد واسع، ولا تصل البنية التحتية للاتصالات إلى كل منطقة بالطريقة نفسها، ففي المدن الكبرى، يمكن توسيع شبكات الألياف الضوئية وأبراج الهاتف المحمول تدريجياً. لكن مدّ البنية التحتية الأرضية يصبح أكثر صعوبة بكثير في المناطق النائية والصحراوية، وحقول النفط والغاز، والمشاريع الزراعية، والمواقع التي تحتاج إلى اتصال من دون انتظار سنوات لبناء بنية تحتية جديدة... هنا يمكن أن تصبح الاتصالات عبر الأقمار الصناعية ذات أهمية خاصة.

هذا لا يعني أن الأقمار الصناعية ستحل محل الأبراج والألياف الضوئية. فالألياف الضوئية ستبقى أساسية للمدن ومراكز البيانات والشركات، فيما ستواصل شبكات الهاتف المحمول تشكيل العمود الفقري للاتصالات اليومية.

بدلاً من ذلك، يمكن للاتصال عبر الأقمار الصناعية أن يصبح طبقة أخرى من الشبكة الوطنية، تساعد على سد بعض الفجوات حيث تكون البنية التحتية الأرضية مكلفة أو صعبة النشر.

على خلاف بعض أشكال الإنترنت الثابت، لا يعتمد الاتصال عبر الأقمار الصناعية بالضرورة على اتصال أرضي دائم في موقع واحد. وتقدم ستارلينك بالفعل خدمات موجهة للتنقل في أسواق مختلفة، رغم أن توافر هذه الخدمات وشروطها في العراق سيعتمدان على الخطط المعتمدة واللوائح المحلية.

إذا توسعت خدمات الاتصال المتنقل في العراق، فقد تصبح مفيدة للمركبات، ومواقع العمل النائية، وقطاع النفط والغاز، والمشاريع السياحية، والعمليات الميدانية، والاستجابة للطوارئ.

هذا لا يعني أن كل مركبة في العراق ستصبح تلقائياً نقطة اتصال متنقلة عبر الأقمار الصناعية. فالمعدات، والتغطية، وخطط الخدمة، واللوائح المحلية ستكون كلها عوامل مهمة.

يدخل العراق اليوم مرحلة تتزايد فيها خيارات الاتصال تنوعاً. فإلى جانب شبكات الألياف الضوئية والجيل الرابع، يتجه البلد نحو استخدام أوسع لتقنيات الجيل الخامس، بينما تضيف الاتصالات عبر الأقمار الصناعية خياراً آخر إلى هذا التنوع.

قد يكون هذا التنوع في نهاية المطاف أكثر أهمية من أي تقنية منفردة، حيث ينبغي ألا يكون الهدف هو استبدال الأبراج بالأقمار الصناعية، أو الألياف الضوئية بالفضاء. بل ينبغي استخدام كل تقنية حيث تكون أكثر فاعلية.

سيكون التحدي الحقيقي للعراق هو تحويل هذه التقنيات المختلفة إلى بنية تحتية رقمية أكثر موثوقية تصل إلى مزيد من المناطق والمكونات الاجتماعية وتدعم الأعمال والتعليم والخدمات الحكومية والاقتصاد الرقمي.

لذلك قد يشكل وصول ستارلينك بداية مرحلة جديدة لقطاع الاتصالات في العراق. لكن قيمته الحقيقية لن تُقاس بعدد الأجهزة الطرفية المثبتة، بل بما يستطيع العراق بناءه فوق هذا الاتصال.

باختصار .. على الجميع التفكير في تعدد وتنوع الخيارات… بينما قد يعمل الإنترنت على الأرض، فإن مستقبل الاتصال قد يأتي على نحو متزايد من الفضاء.

عمان، في 12 أيلول 2026

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى