إصلاح تسعير المنتجات النفطية في العراق: ضرورة تأخرت كثيراً

سعدالله الفتّحي
العضو المؤسس في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
لجنة الصناعة والطاقة
رئيس المؤسسة العامة لتصفية النفط وصناعة الغاز سابقا
يدخل قطاع تكرير النفط العراقي في مرحلة حاسمة طال انتظارها. فبعد عقود من اعتماد أسعار إدارية للنفط الخام المجهز إلى المصافي، وتعدد أسعار المنتجات النفطية بين فئات المستهلكين، بدأت الحكومة أخيراً بمواجهة الاختلالات الهيكلية التي أثقلت المالية العامة وشوّهت اقتصاديات المصافي. وقد شكّل إعلان رئيس الوزراء في آب/أغسطس 2026 — الذي نُفّذ في الأول من أيلول/سبتمبر — محاولة جادة لإصلاح منظومة تجهيز النفط الخام وتسعير المنتجات.
فقد رُفع سعر النفط الخام المجهز للمصافي من 5000 دينار للبرميل إلى السعر الرسمي المعتمد من شركة تسويق النفط (سومو) بعد خصم 30% منه، أو السعر المعتمد في الموازنة أيهما أقل. كما فُرضت أسعار جديدة للمنتجات النفطية على القطاعات الكبيرة المستهلكة، مع الإبقاء على الأسعار القديمة للمواطنين. وقد قُدّم هذا الإصلاح بوصفه خطوة ستُحقق فائضاً قدره 17.8 تريليون دينار.
لكن خلف هذا العنوان، تكمن قصة أعمق: فالنظام الحالي لتسعير النفط والمنتجات في العراق يعاني اختلالاً بنيوياً، ويبتعد كثيراً عن الممارسات العالمية، ويُعد اقتصادياً غير كفوء ومالياً غير مستدام. وما الإجراءات الأخيرة إلا خطوة أولى تُبرز الحاجة الملحّة إلى إطار شفاف ومرتبط بالسوق لتقييم اقتصاديات المصافي وحجم الدعم مع إيجاد بدائل لتعويض المستهلكين خارج نظام المصافي ان امكن.
نظام قائم على التخفيضات وتعدد الأسعار
تستلم المصافي العراقية النفط الخام بأسعار مخفضة كثيراً عن الأسعار العالمية، بينما تُباع المنتجات النفطية بأسعار متعددة حسب فئة المستهلك — المواطن، الوزارات، المزارعون، المصانع الصغيرة، الشركات التجارية، المقاولون وغيرهم. هذا التعقيد يُخفي الحجم الحقيقي للدعم ويجعل تصميم السياسات الرشيدة مهمة صعبة للغاية.
والنتيجة أن ربحية المصافي تعتمد بالكامل تقريباً على خصم سعر النفط الخام. فبدونه تعمل المصافي بخسارة واضحة بالمقارنة مع مثيلاتها بالعالم. ومع الخصم ترتفع هوامش التكرير بشكل مصطنع، مما يثبط الاستثمار في التطوير والتحديث. وفي الوقت نفسه تتحمل الدولة عبئاً مالياً قد يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً عند خصم سعر الخام المجهز30%.
كيف تسعّر الدول المنتجة الأخرى نفطها ومنتجاتها؟
تُظهر مقارنة مع دول المنطقة مدى ابتعاد العراق عن المعايير العالمية. فالمملكة العربية السعودية تجهّز مصافيها بالنفط الخام وفق الأسعار العالمية، وتستمد أسعار الجملة للمنتجات من قيم التصدير او الأسعار العالمية. وتضع سقفاً شهرياً لأسعار التجزئة لحماية المستهلكين من التقلبات الحادة وبهذا يكون العبأ على الميزانية محدودا نسبيا، لكن اقتصاديات المصافي تبقى مرتبطة بالسوق وتحقق هامش تكرير إيجابي يتناسب مع تطورها الفني. وهذا يشجع الاستثمار في وحدات معقدة مثل التكسير يالعامل المساعد، التكسير الهيدروجيني، ووحدات التفحيم، التي تحقق هوامش قوية دون دعم.
أما الإمارات فذهبت أبعد من ذلك، إذ حررت أسعار الوقود بالكامل وتُحدّثها شهرياً وفق الأسعار العالمية. تشتري المصافي الخام بالسعر العالمي، ويدفع المستهلكون أسعاراً تعكس السوق العالمية مضافاً إليها ضريبة 5%. النظام شفاف وكفوء وخالٍ من الدعم الخفي.
في كلا البلدين، تحقق المصافي أرباحها وفق تكوينها الفني وظروف السوق — لا وفق تحويلات حكومية. والأعباء المالية محدودة أو غير موجودة.
هيكل المصافي العراقية
يتكون النظام في العراق أساساً من مصافي تقطير بسيطة ذات قدرة تحويلية محدودة. وحدتا التكسير في البصرة وكربلاء توفران بعض التحديث، وهناك الحاجة والامكانية للمزيد بينما وحدة التكسير الهيدروجيني في بيجي ما تزال متوقفة. ويُظهر العائد الموحد للمصافي العراقية التحدي بوضوح: نحو 40% من الإنتاج هو زيت الوقود الثقيل، بينما يبقى إنتاج البنزين وزيت الغاز محدوداً.
وتزيد القيود النوعية من الضغط: فزيت الغاز عالي الكبريت، وبنزين متذبذب الأوكتان، وحاجة مستمرة للمزج لتلبية المواصفات المحلية. كما أن القيود التشغيلية بسبب المعدات القديمة في بعض الوحدات وتراكم أعمال الصيانة، والتوقفات المتكررة — أبقت معدلات التشغيل حول 70% لسنوات طويلة.
هذه السمات الهيكلية تعني أن المصافي العراقية تحقق هوامش سالبة عند سعر الخام الكامل. فوفق أسعار 2025 العالمية، تظهر الحسابات هامشاً صافياً قدره سالب 2.02 دولار للبرميل عند سعر خام 80 دولاراً. ولا يتحول الهامش إلى موجب إلا عند خصم 10%، ليصل إلى +5.98 دولار. أما خصم 30% فيرفع الهامش إلى +21.98 دولار — وهو مستوى غير مسبوق حتى في المصافي الحديثة.
الكلفة المالية لخصم سعر الخام
ان خصم سعر الخام هو دعم حكومي مباشر. فهو يحسن هوامش المصافي لكنه يفرض كلفة مالية كبيرة على الدولة. فعند طاقة 850 ألف برميل يومياً (المصافي الكبيرة فقط) ولمدة تشغيل 350 يوماً سنوياً، تبلغ كلفة الخصم: 2.48 و 7.44 مليار دولار عند خصم 10% و 30% على التوالي. وهذه الخصومات لا تخفض أسعار المستهلك. فالقيمة الاقتصادية للمنتجات تُحدد وفق أسعار التصدير، لا وفق سعر الخام المجهز للمصافي.
دعم المستهلكين: عبء خفي
ان أسعار التجزئة في العراق أقل بكثير من الأسعار الاقتصادية للمنتجات. وباستخدام متوسط الأسعار عبر فئات المستهلكين — لغياب بيانات الاستهلاك القطاعي — يبلغ دعم المستهلك نحو 9 دولارا للبرميل. ولو بيع كامل إنتاج المصافي داخلياً بالأسعار المدعومة لبلغ الدعم النظري 18 دولاراً للبرميل، لكن التصدير الجزئي لزيت الوقود وبيع بعض الكميات بأسعار شبه اقتصادية يخفض هذا الرقم. وحتى عند 9 دولارات للبرميل، يصل دعم المستهلك إلى 2.79 مليار دولار سنوياً. ومع خصم الخام، يتراوح العبء المالي الكلي بين 2.7 مليار دولار عند عدم وجود خصم، وأكثر من 10 مليارات دولار عند خصم 30%. كما تشير الحسابات.
لماذا الإصلاح ضروري — وصعب؟
ان نظام التسعير الحالي قد اصبح مترسخا لعقود او منذ انشاء مصفى حديث في 1955، وأصبح الدعم جزءاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا الهيكل لم يعد قابلاً للاستمرار. فهو يثبط الكفاءة، يشجع التهريب، ويستنزف مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تُستثمر في تحديث المصافي والبنى التحتية والخدمات العامة.
لكن الإصلاح ممكن وضروري ويحتاج بالدرجة الرئيسية إلى: خفض خصم الخام تدريجياً إلى 10% كحد أقصى وتبسيط نظام الأسعار المتعددة بتوحيدها قدر الإمكان والاقتراب من قيم السوق تدريجيا مع تعجيل الاستثمار في وحدات التحويل لخفض إنتاج زيت الوقود وتحسين التشغيل والصيانة مع التفكير جديا بإيجاد وسائل دعم بديلة للفئات الضعيفة.
وختاما نقول ان العراق يمتلك القدرة والسوق والضرورة الاستراتيجية لتحديث قطاع المصافي فنيا واقتصاديا. واذا كان الإصلاح الفني عاجلا لكن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكون تدريجياً لتقليل تأثير ذلك على الاقتصاد الكلي. ويجب ان يكون شفافاً ومبنياً على نموذج اقتصادي واضح ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية، ويقلل العبء المالي، ويشجع الاستثمار.
إن تغييرات الأسعار في سبتمبر 2026 ليست نهاية الطريق، بل بداية انتقال طال انتظاره نحو نظام أكثر كفاءة واستدامة. والتحدي الآن هو البناء على هذا الزخم لتطوير إطار تسعيري يخدم اقتصاد العراق ومصافيَه ومواطنيه لعقود قادمة.



