هندسة الاستقرار في المجتمعات التعددية: لماذا تتوحد الشعوب حول الرفض أكثر من المشروع؟ قراءة مقارنة بين العراق والولايات المتحدة

أ.د. طه أحمد عليوي
تخصص هندسة الذكاء الاصطناعي والاتصالات الحديثة
عضو لجنة الإسكان والبنى التحتية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
مقدمة
لطالما شغلت العلاقة بين المجتمع والسلطة اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة، ولا سيما في المجتمعات التي تتسم بتعدد هوياتها الدينية أو القومية أو القبلية أو المناطقية. فالسؤال لا يقتصر على كيفية وصول الحكومات إلى السلطة، بل يمتد إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها الوحدة الوطنية، ولماذا تنجح بعض الدول في الحفاظ على استقرارها بينما تدخل دول أخرى في دورات متكررة من الصراع.
تمثل التجربة العراقية مثالًا فريدًا على هذا الإشكال. فمن يقرأ تاريخ العراق، من العصور الإسلامية حتى الدولة الحديثة، يلاحظ نمطًا يتكرر بصورة لافتة؛ إذ تبدو القوى الاجتماعية والسياسية أكثر قدرة على الاتفاق حول رفض الحاكم أو السلطة من قدرتها على الاتفاق حول مشروع وطني جامع طويل الأمد. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها:
في العراق، تتشكل الوحدة الشعبية حول معارضة الحاكم أو السلطة بسهولة أكبر من تشكلها حول مشروع سياسي أو وطني طويل الأمد.
ولا تقدم هذه الفرضية حكمًا على طبيعة العراقيين، بل محاولة لفهم نمط سياسي متكرر في تاريخ العلاقة بين المجتمع والسلطة.
أولًا: الوحدة السلبية والوحدة الإيجابية
يمكن التمييز بين نوعين من الوحدة السياسية.
الأولى هي الوحدة السلبية، وهي التي تنشأ نتيجة الاتفاق على رفض شخص أو سلطة أو تهديد معين. أما الثانية فهي الوحدة الإيجابية، وهي التي تقوم على الاتفاق حول مشروع سياسي أو اقتصادي أو حضاري مشترك. ويبدو أن التجربة العراقية شهدت عبر مراحل عديدة تفوقًا واضحًا للوحدة السلبية على الوحدة الإيجابية. فكلما ظهر خصم واضح، سواء كان حاكمًا مستبدًا أو قوة خارجية، انخفضت حدة الخلافات الداخلية نسبيًا، وبرز شعور مؤقت بالمصير المشترك. لكن ما إن يختفي هذا الخصم حتى تعود الانقسامات القديمة إلى الظهور، ويبدأ الخلاف حول السلطة والشرعية وتوزيع النفوذ. إن هذه الدورة التاريخية تفسر لماذا كان إسقاط السلطة في كثير من الأحيان أسهل من بناء نظام سياسي مستقر يحظى بإجماع واسع.
ثانيًا: أزمة العلاقة مع السلطة في العراق
لا يبدو أن المشكلة التاريخية في العراق كانت مقتصرة على هوية الحاكم، بل في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة نفسها. فالسلطة في الوعي الجمعي العراقي غالبًا ما تُشخَّص في شخص الحاكم أو الحزب أو الجماعة الحاكمة، وليس في مؤسسة دستورية مجردة. لذلك يصبح الحاكم هو الهدف المباشر لكل مشاعر الغضب والاحتجاج، وتتحول المطالبة بإصلاح السياسات تدريجيًا إلى التشكيك في شرعية النظام برمته. وقد ساهمت عوامل متعددة في ترسيخ هذا النمط، منها تعاقب الدول والإمبراطوريات، والانقلابات، والحروب، وضعف استقرار المؤسسات، إضافة إلى التنوع الاجتماعي والقبلي والقومي والديني الذي يجعل الثقة بين المكونات أكثر هشاشة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الاتفاق على إسقاط الحاكم أسهل من الاتفاق على البديل، لأن الرفض يوحد المختلفين، بينما يكشف البناء عن اختلاف أولوياتهم ومصالحهم.
ثالثًا: لماذا نجح بعض الحكام غير المحليين؟
يقدم التاريخ العراقي ملاحظة تستحق الدراسة، وهي أن عددًا من الدول التي حكمت العراق وحققت درجات متفاوتة من الاستقرار كان قادتها من خارج العراق أو من أسر غير منتمية إلى البنية المحلية. ولا يعني ذلك أن أصل الحاكم كان سبب النجاح، بل إن الحاكم غير المحلي لم يكن، في بداية حكمه، محسوبًا على إحدى الجماعات المتنافسة، مما منحه مساحة أوسع للعب دور الوسيط أو الحكم بين القوى المختلفة. كما أن افتقاره إلى الشرعية الاجتماعية الطبيعية دفعه في كثير من الأحيان إلى البحث عن شرعية الإنجاز، عبر الإدارة أو العمران أو تحقيق الأمن أو بناء المؤسسات. أما الحاكم المحلي، فإنه قد يواجه منذ البداية اتهامات بالانحياز إلى عشيرته أو منطقته أو طائفته أو حزبه، فتبدأ أزمة الثقة قبل أن تبدأ تجربته السياسية. ومن هنا لا يكون السؤال: هل الحاكم المحلي أو الأجنبي أفضل؟ بل: كيف تُبنى الشرعية في مجتمع متعدد؟
رابعًا: التجربة الأمريكية وهندسة الاستقرار
إذا كانت التجربة العراقية تكشف عن صعوبة تحويل الوحدة السلبية إلى مشروع دائم، فإن التجربة الأمريكية تقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة مجتمع متعدد الهويات. فالولايات المتحدة ليست مجتمعًا متجانسًا، بل تضم تنوعًا عرقيًا ودينيًا وثقافيًا واسعًا، ومع ذلك استطاعت الحفاظ على استقرارها النسبي عبر بناء منظومة مؤسسية معقدة تقوم على توزيع السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وبين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ويمكن وصف هذا النموذج بما يمكن تسميته “إبهام النظام المؤسسي”؛ إذ لا تتمركز السلطة في شخص واحد، بل تتوزع بين مؤسسات متعددة، بحيث يصبح من الصعب اختزال الدولة في الرئيس أو الحزب الحاكم. ويؤدي هذا التعقيد وظيفة سياسية ونفسية مهمة؛ إذ يوجه الغضب الشعبي نحو السياسات أو الأحزاب أو المسؤولين المنتخبين، دون أن يتحول إلى رفض لشرعية الدولة نفسها. فالرئيس قد يُنتقد بشدة، لكن الدستور والمؤسسات يظلان يتمتعان بدرجة عالية من الشرعية.
خامسًا: صمام الأمان الخارجي
إلى جانب قوة المؤسسات، استفادت الولايات المتحدة تاريخيًا من وجود تحديات خارجية متعاقبة أسهمت في تعزيز الشعور بالهوية الوطنية، سواء خلال الحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة أو الحرب على الإرهاب أو المنافسة الاستراتيجية مع الصين. ولا يعني ذلك أن هذه التحديات كانت السبب الوحيد للاستقرار، لكنها مثلت أحد العوامل التي ساعدت على توجيه جزء من التنافس الداخلي نحو أهداف مشتركة. أما في العراق، فقد كان تحديد الخصم الخارجي نفسه محل خلاف في كثير من الأحيان، بسبب تباين الرؤى السياسية والهويات الفرعية، الأمر الذي حال دون تحول التهديد الخارجي إلى عامل توحيد دائم.
سادسًا: من شخصنة السلطة إلى تجريد الدولة
تكشف المقارنة بين العراق والولايات المتحدة أن الاختلاف لا يكمن في وجود التنوع من عدمه، بل في طريقة إدارة هذا التنوع. فعندما تُختزل الدولة في شخص الحاكم، يصبح سقوطه مهددًا لسقوط شرعية النظام كله. أما عندما تتحول الدولة إلى منظومة مؤسسات وقواعد دستورية مستقلة عن الأشخاص، فإن تغيير الحكومات يصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، دون أن يؤدي إلى انهيار الدولة. ومن هنا يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات التعددية ليس القضاء على الاختلاف، بل بناء مؤسسات تستطيع إدارة هذا الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع وجودي.
خاتمة: نحو نظرية في هندسة الاستقرار
تقترح هذه الدراسة أن استقرار المجتمعات التعددية يقوم على ثلاثة مرتكزات مترابطة:
- تحويل الوحدة السلبية إلى وحدة إيجابية، بحيث تنتقل المجتمعات من الاتفاق على رفض السلطة إلى الاتفاق على مشروع وطني مشترك.
- تجريد السلطة داخل مؤسسات مستقلة، بحيث لا تصبح الدولة مرادفة للحاكم أو الحزب أو الجماعة.
- إدارة التنافس الداخلي بقواعد دستورية ومؤسساتية تجعل الصراع يدور حول السياسات والمصالح، لا حول شرعية الدولة نفسها.
وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الدراسات المستقبلية ليس: لماذا تختلف المجتمعات التعددية؟ بل: كيف تنجح بعض الدول في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، بينما يتحول في دول أخرى إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تفتح الباب أمام إطار نظري جديد يمكن تسميته “هندسة الاستقرار في المجتمعات التعددية”، وهو إطار لا يفسر التجربة العراقية وحدها، بل يمكن تطبيقه على تجارب تاريخية وسياسية أخرى لفهم العلاقة بين بنية المجتمع، وشكل الدولة، وآليات إنتاج الشرعية والاستقرار.



