اللجنة القانونية

دولة المؤسسات، ما لها وما عليها

المستشار سعيد النعمان

عضو اللجنة القانونية

المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

المعروف أن دستور عام (2005) هو الذي ينظّم ويفصل بين عمل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وقد تُضاف السلطة الإعلامية كسلطة رابعة عند أول تعديل دستوري. ويُلاحظ أن عمل هذه السلطات، بموجب نصوص الدستور ومخرجاته التي صوّت عليها الشعب في الانتخابات العامة ونالت ثقة الملايين، لم يحظَ بالاهتمام الكافي من قبل الحكومات المتعاقبة، على الرغم من أن نتائج هذه الانتخابات تُلزم الفائزين بالعمل على إقامة دولة مؤسسات بمخرجاتها وشروطها وأركانها.

إن الدولة المؤسسية هي دولة شفافة تضبط مسارات السلطات وتقيّدها ضمن أطر قانونية واضحة ومحددة مسبقًا، ما يعني أن الثابت هو النظام، والمتغيّر هم الأشخاص الذين يتعاقبون على إدارة هذه السلطات، والملزمون بتطبيق مبادئ دولة المؤسسات.

ومنذ قيام الحكومات التي أعقبت عام (2003)، يُلاحظ أن مفهوم دولة المؤسسات لم يحظَ بحضور فعلي، بل تراجع لصالح التوافقات السياسية والإدارية غير المنسجمة مع مبدأ سيادة القانون. كما أن احترام الدستور وتفعيل نصوصه وتحسين القوانين من حيث الصياغة والتطبيق أصبح أمرًا مغيّبًا.

أما مبدأ الفصل بين السلطات وضمان استقلال القضاء والمؤسسات العدلية والقانونية والتربوية والتنفيذية، وإبعاد مؤسسات الدولة عن هيمنة الأحزاب والطائفية والفئوية والشبهات، فما يزال يراوح مكانه. ولهذا، يُوصف العراق منذ عام (2003) بأنه دولة تفتقر إلى مقومات دولة المؤسسات، التي تُعنى بإدارة شؤون المجتمع بعدالة وإنصاف وتحقيق النفع العام.

إن مفهوم دولة المؤسسات في العراق يعني قيام دولة ذات طابع سياسي وإداري واجتماعي واقتصادي متكامل، تهدف إلى ترسيخ دولة الدستور والقانون، وتطبيق نظام رصين يستند إلى دستور (2005) ومخرجاته، رغم ما يعتريه من نواقص وصياغات بحاجة إلى مراجعة، لم تُعالج طوال سنوات التطبيق.

كما أن مجلس النواب لم يوفَّق في أداء دوره التشريعي بالشكل المطلوب، سواء في سنّ قوانين جديدة أو تعديل أو إلغاء القوانين القائمة بما يخدم بناء دولة المؤسسات الحديثة. وفي المقابل، بقيت الامتيازات تُمنح على أساس الانتماءات الطائفية والحزبية والقبلية، في ظل ضعف الرقابة والمساءلة.

وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، يُنظر إلى العراق بوصفه دولة تعاني من ضعف في تطبيق القانون وغياب العدالة الاجتماعية، وتغلب على إدارتها المصالح الفئوية والحزبية والعشائرية، في ظل غياب واضح لمفهوم دولة المؤسسات.

إن النظرة الموضوعية لدولة المؤسسات تستوجب ترسيخ مبدأ سيادة القانون، بحيث يسود القانون على الجميع دون استثناء، بعيدًا عن منطق “قانون القوة”، وصولًا إلى دولة مستقرة ينعم فيها المواطن بالأمن والرفاه.

ومن أبرز مقومات دولة المؤسسات المتفق عليها فقهيًا وقانونيًا:

خضوع جميع أفراد المجتمع، حكامًا ومحكومين، لسيادة الدستور والقانون دون استثناء.

تمتع مؤسسات الدولة، بما فيها القضائية والأمنية والإعلامية، بالاستقلالية والمهنية، بعيدًا عن التدخلات والتحيز.

اعتماد الدستور والقوانين مرجعية عليا بدلًا من المحاصصة الحزبية والطائفية.

حصر السلاح بيد الدولة، وتمكين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية من حماية المجتمع.

بناء مؤسسات كفوءة مستقلة لا تخضع للتأثيرات الخارجية، وتعمل وفق القانون.

ترسيخ العدالة الاجتماعية وضمان حقوق المواطن في الأمن والحرية والرفاه.

مكافحة الفساد الإداري والمالي والقضاء على التعسف في استعمال السلطة.

إصلاح وتطوير الأجهزة الأمنية والاستخبارية.

سنّ قوانين عادلة ومرنة تستجيب للمتغيرات.

الشروع الجاد في تعديل الدستور ومعالجة النصوص الإشكالية.

وخلاصة القول، إن بناء دولة المؤسسات يتطلب إرادة سياسية حقيقية تهدف إلى إقامة نظام عادل ومنصف، يضمن توزيع الثروات بعدالة، ومحاسبة المعرقلين لمسار الإصلاح، بما يمكّن العراق من الانتقال إلى دولة مؤسسات حقيقية، ينعم فيها المواطن بالاستقرار والرفاهية والمساواة والعدالة الاجتماعية.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى