لا خَيرَ في أمّةٍ تأكل ممّا لا تَزرَع

سناء داود الهاشمي – ماجستير ادارة اعمال
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – اللجنة الاقتصادية
مِن المَعروف أن التوازنَ والنموّ الإقتصاديّ رَكيزَة أساسيّة لسيادَةِ أي بلَد، ومِقياسٌ لاستِقرارهِ وتأثيرِه الإقليميّ والعالمي..
في العراق، الإقتصاد عالِقٌ في مَتاهَةٍ عنكبوتيّة ، تَرِكة ثَقيلة مِن المَشاكل، بِدءاً بالحروب التي دمّرت البُنى التحتيّة، مُروراً بالحِصار الإقتصاديّ، ثم الإحتِلال وما أعقَبهُ مِن حكوماتٍ لَم تُحسِن التّعامُلَ مع الأزمة، فاستُنزِفت الموارد دونَ تَغييرٍ يُذكَر ، حتى انتهى البلد إلى مُستَنقَعٍ للفَقر والجهلِ والفَساد، وبَينما ينشَغل العالم بالبُحوثِ والتكنلوجيا والتقنيّاتِ الحديثة ، يَنشغِل المواطِن العراقيّ بالبحثِ عن لُقمةِ العَيش( التي أصبحت رفاهيةً للبعض)، لأن تلكَ الأزمات تناسَلت وأنجَبت أبشَع مولود، ألا وهو البَطالة ..
قَد لا تكون البَطالةُ بحد ذاتِها شَبحاً ، إن كانت مؤقتة ولها حلول مُستقبليّة مضمونة، لكنها في العِراق ، تعدّدت أشكالها ، بينَ بَطالةٍ صَريحة ومُقنّعة وهيكليّة وموسميّة ، إلخ ، حتّى قوّضت أركانَ الإقتصاد ونَخرت مفاصِل الحياة الإجتماعيّة والصحيّة والأمنيّة .
فالبطالة لها – أثر الفَراشة- توَلّد الفقرَ والعوَز ، والعوَز يقود إلى تردّي الوضع الصحّي والنفسيّ وما يترتّب عليهِ مِن تفشّي الإنحِلال الإجتماعيّ والمُخدّرات والإنتِحار ، ثم ينتهي بالجرائم مِن سَرقة واعتِداء وحتى تمرّد ..
وكما هو مَعلوم، المجتمع العراقيّ مجتمع فتيّ، ولهُ قاعدة شبابيّة وطاقات مَهدورة تحتاجُ حاضِنَةً تَتبنّاها وتُطوّرها وتجعلها تَنخَرِط في سوقِ العمَل، وهُنا بيتُ القَصيد.. كيفَ لنا أن نوظّف هذهِ الطاقات ، في وضعٍ إقتصاديّ هَش ، وبُنى تحتيّة متهالِكة وفساد إداريّ، عدا عَن الهوّة الشاسِعة بينَ عدد العاطِلين وحاجةِ سوقِ العمَل ، خصوصاً ونحنُ نشهَد سنَويّاً تَخريجَ آلآفِ الطُلاب من الجامِعاتِ الحكومية والأهليّة ، ولا ننسى امتِلاءَ السوق بالعَمالةِ الأجنبيّة ..
في هكذا إختِناق إقتصاديّ، تأتي المشاريع الصغيرة لتكونَ رِئةً للإقتصاد، ومَخرَجاً إضطِراريّاً مِن نَفَقِ البَطالة، ومُحرّكاً للتنميةِ الإقتصاديّة، وذلك مِن خِلالِ مُبادراتٍ ونشاطاتٍ مؤقّته أو دائميّة لصُنعِ مُنتجاتٍ أو بدءِ خدماتٍ تنتهي بالحصولِ على نتيجةٍ فعّالة ..
فكما يُقال، الحاجة أم الإختِراع، والمشاريعُ الصغيرة تَدفع الشباب لإيجادِ الحلول البَديلة للسوق وتحفيزِهم للأفكار الإبداعية وتَفعيلِ مهاراتِهم وتنميتِها وتحويلِها إلى مُنتجاتٍ تُلبّي حاجةَ المُستَهلِك، وأهم ميزة لتلكَ المشاريع أنها لا تَحتاجُ إلى مستوىً عالٍ مِن الكفاءة ، ورغم ذلك تنتِج سِلعاً بديلة عن المُستوردَة وسلعاً تَصديريّة في أفضل الحالات ، وأيضاً تكون كُلفتها مُنخفِضة مقارنَةً بالمشاريعِ الكبيرة ، بل إنها تعمل على تَزويدِ المشاريعِ الكببرة بالسّلع والخدمات كنوعٍ مِن التكامُلِ الصّناعيّ في حال تم توجيهها بشكلٍ صحيح ، فنحصل بذلك على خفضِ الكُلفة وسُرعةِ الإنتاج .. بالإضافة لكون المشاريعِ الصغيرة مَرِنة في مواجهةِ الأزمات الإقتصاديّة في فترةِ الرّكود تبعاً لتكيّفها مع تقلّباتِ السوق مِن حيث كمية الإنتاج ونوعِه ..
لكن، كغيرِها ، تواجِه هذهِ المشاريع عقباتٍ تكمُن بصعوبَةِ الحصول على القروض لتغطيةِ تكاليفِها، وأحياناً ضعف التخطيط وإدارة المخاطِر، عدا عَن الإجراءات الحكوميّة المعقدة لاعطاءِ التّراخيص ، وفي أسوأ الأحوال ، التأثّر بالأزمات كالتّضخّم والتذبذُب الكبير بأسعار المواد الخام ..
لِذا ، ومِن بابِ تَشجيعِ الشباب وزجّهِ في سوق العمل، ومساهمةً مِن الدولة بترويضِ الظروف لهم، العمل على وضع خطط تَمويل حكوميّة بفوائِد منخفضة وشروطِ سدادٍ مرِنة، مع إعفاءاتٍ ضريبيّة تتناسب وحجمِ المَشروع، وكذلك مُحاولة تبسيط إجراءات مَنح التراخيص، والعمل على تنظيمِ دوراتٍ تدريبيّة في الإدارة والتسويق والمهارات الرقميّة، خصوصاً وأن الذكاء الإصطناعي قد اكتسَح مفاصل الحياة والعمل، إذ أصبح يقدّم حلولاً مبتكرة ، بالإضافة لقدرته في تحليلِ البيانات بشكل أدق وأسرع ، والتخطيط للمشاريع بمتابعة وجدول زمني وكلفة محدودة ..
ولندرك جميعاً، أن هذهِ المشاريع ليست لتنمية الإقتصاد فقط، إنما يتعداه لحفظ البلد مِن آفاتٍ تأخذه إلى نفقٍ مُظلِم ، وأنها تحوّل الشباب من عالةٍ على مُجتمَعِه، إلى عنصرٍ فاعلٍ فيه..



