وجَعَلنا مِن الماءِ كُلّ شيءٍ حَـي

سناء داود الهاشمي
ماجستير ادارة اعمال
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
اللجنة الاقتصادية
في نهارٍ صَيفيّ قائِظ ، تُصبِحُ الحياةُ مَرهونَةً بكأسِ ماءٍ تَبتَلّ بِه العروق ، لكن .. ماذا لو اضطُرِرتَ أن تَتشاركَ مع أفرادِ أسرتِك ذلك الكأس الواحِد مِن الماء ؟!
– مَشهَدٌ واقعيّ صادم للمُستَقبَلِ القَريب –
فمَعَ تَزايدِ النّموّ السكاني والتغيّراتِ المناخيّة وغَلبةِ ظواهِرِ الجَفاف والتطوّر الصِناعيّ ، أصبَحَت المياه عُنصراً بالِغ الأهميّة في تَحقيقِ الأمنِ والإستقرار الإقليميّ والدوليّ ، ونَقَلَ التراجُع الحاد في كمّيات المياه المُتاحة المَشاكل الدوليّة مِن خِلافٍ حَولَ الحِصَص ، إلى صِراعٍ وجوديّ مِن أجلِ البقاء …
فالمياه لَم تعُد عَصباً حيويّاً لاستِمرارِ البَشَريّة مِن خِلالِ تَحقيق الأمن الغذائي والصّناعيّ والبيئيّ فقَط ، وإنّما أصبَحت مُحرّكاً للسياسات والصِراعات الدوليّة ، ولَم تَعُد المُسطّحات المائية مُجرّد حدودٍ جغرافيّة ومَمرّاتٍ تجاريّة ، بَل غدَت قوّةً تُُعجّل باصطِدامِ المصالِح وبؤراً للتوتّر الجيوسياسيّ وسَبباً مهماً لصياغَةِ التّحالُفاتِ الستراتيجيّة الجديدة ، خصوصاً بينَ الدول التي تَعتمِد في أمنِها المائيّ على منابِعٍ تقَع خارِج حدودِها السياسيّة ..
فهذا الإعتِمادُ الإضطِراريّ ، يدفع الدوَل الإقليميّة القويّة إلى استِخدامِ تفوّقِها الجغرافيّ باعتِبارِها ( دوَل مَنبَع ) لفَرضِ شروطِها السياسيّة والإقتصاديّة على دوَلِ المَصَب ، ويمنَحها قدرةً أكبر على التّحكم وتَنظيمِ التّدفقاتِ المائية عبرَ السّدود أو التّخزين أو تَحويلِ مَجرى الأنهُر ، مِما يجعل الأخيرة أكثرَ تأثراً بهذهِ السياسة ويُجبِرها على مُحاولةِ خَلقِ نوعٍ مِن توازنِ القوى بالبحث عَن محاوِر ستراتيجيّة بديلة وبِناءِ تحالُفاتٍ مُضادّة ..
كُل ما سَلَف ، غيّر الأمن القومي مِن مَفهومٍِ تقليدي يَرتكِز على الحدود العَسكريّة بينَ الدوَل ليَشمَل أبعاداً جَديدة أهمها ( جيوسياسيّة المياه ) أو ما يسمى ( الديبلوماسية الزرقاء)..
الباحث الإسبانيّ ( خافيير ديل فالي) كانَ له رأي مُحايد في كِتابه( صِراعات المياه، التحدّي الجيوسياسي الكبير للسنوات المُقبلة ) ،
حيثُ يَفتَرِض المؤلف أن الأزماتِ المائية لا تَفَسّر بالنُدرة الماديّة فحسب، وإنما ترتبِط عضوياً بالقُدرات المؤسسيّة وتوازُناتِ القوة ..
وعليه ، يرفُض القِراءات الإختِزاليّة التي تُرجِع النزاعات المائية إلى نُدرَة الموارد وَحدها ، ويُبيّن أن العلاقات بينَ الدول المُتشاطِئة لا يَحكُمها منطِق الصِراع الحتمي ، وإنما تتشكّل وفق الأطر السياسيّة والقانونيّة التي تُنظّم استِغلال الأحواض المُشتركة ..
ويَخلص ( ديل فالي) إلى أن نُدرة المياه لا ترجِع إلى جفافِ الكوكب ، الذي يمتلك مواردَ مُتجدّدة وشُبه لا نِهائية بفضلِ دورةِ المياه الطبيعيّة ، وإنما هي ( نُدرة مُصطنعة ) ، يُغذيها الجَشع الإستهلاكيّ واقتِصاداتِ الرفاه لتلبيَةِ رغباتِ مُجتمعاتِ الوفرة.
ثُم يُضيف الكاتب ، أن الصِراعات لا تَنتج مِن مَحدوديّة المياه بحد ذاتِها ، فالنموّ السكاني والتوسّع في الزِراعة المرويّة لتلبيَةِ الطلب على الغِذاء ، وتحسين مستوياتِ المَعيشة وارتِفاعِ الإستِهلاك ، عوامِل ستؤدي جميعها إلى تراجعِ نَصيبِ الفَرد مِن المياه ، مِن دون أن تَعني بالضرورة اندِلاعَ حروبٍ بينَ الدوَل ..
ومن التّحديات التي لا تقلّ خطورةً عن النُدرة المائية ( حسب قولِ الكاتب)، تتعلّق بتدهورِ نوعيةِ الموارد المائية ، بسببِ استمرار تصريفِ المياهِ العادِمة والنِفايات الصِناعية مِن دونِ مُعالجة ، واستِنزافِ المياه الجوفيّة ولا سيّما في المناطِق القاحلة ، وتَملّح الخزانات الساحليّة بفعلِ تسرّبِ مياهِ البحر ، ويَتوَقّع نتيجةً لذلك أن تتّجِه كثير مِن النِزاعات المُستقبليّة إلى المستوى الداخليّ ، حيث تَتنافَس القطاعات الزِراعية والحضريّة والصناعية والسياحيّة على الموارد المحدودة ، كما قَد تَتزايد الإحتِجاجات المُرتبِطة بإنشاءِ السدودِ الكُبرى وما تَفرِضه مِن تهجيرٍ وإعادة توزيع للمياه ..
ومِن أهمِ النّماذِجِ الإقليميّةِ الحيّة لصِراعاتِ المياه وتحالُفاتِها ، هو حوض نهر النيل، ومشروعُ سَد النَهضة الذي عمِل على تقارُب وتَنسيقٍ أمنيّ وعسكريّ بينَ مِصرَ والسودان لحمايَةِ أمنِهما المائيّ ،
كما سَعت دولةُ المَنبَع أثيوبيا إلى تَعزيزِ تحالُفاتِها مع دولِ حوضِ النيل الأخرى لتأمينِ مَشروعِها ..
وهُنا نذكُر أن إسرائيل تُطالب بنَصيبٍ مِن مياه النيل
عن طريقِ سيناء ، وإلا قامَت بإحداثِ متاعبَ لمِصر في منابِعِ النيل في أثيوبيا ومنطقةِ البُحيرات ..
كما تواجه منطقة الشرق الأوسط تحدّياتٍ مُعقّدة جرّاءَ المشاريعِ المائية التي تُنفّذها تُركيا مثل مشروع ( جنوبِ الأناضول -GAP ) ، ممّا دفع الدول المُتأثرة كالعِراق وسوريا إلى مُحاولةِ إعادة ترتيبِ أوراقِهما السياسيّة ، والسعي لبِناءِ تفاهماتٍ مُشتركة أو البحث عن وساطات دولية للوصولِ إلى اتفاقياتٍ مُلزِمة لتقاسمِ المياه ..
نهرُ الأردن الذي يُشكّل حدوداً طبيعية بينَ الكيان الصهيوني والأردن والضفةِ الغربيّة ، كانَ منذُ عقود نقطةً مِحورية للنزاعاتِ حَول توزيعِ المياه …
لكن.. هَب أن هذهِ الدول أبرمت المعاهدات والإتفاقيات ، فهل هذا كافٍ للوصول إلى وضعٍ آمِن ؟!
حتماً لا ، فهناكَ عدة عوامِل تتظافر ضِدّ تطبيقِ تلك الإتفاقات والتفاهُماتِ التقليديّة ، فتراجُع منسوب الأنهار مثل دِجلة والفُرات والميكونغ ، يجعل الإتفاقات المائيةَ التي بُنيَت على فرَضيّةِ تدَفقاتٍ مائية ثابِتة ، غير قابِلة للتطبيق ، ووَجبَ على دوَلِ المَصب الإسراع في إيجادِ الحلول..
وكذلك تسَلّط دوَل المَنبَع ببِناءِ السدود والخزّانات مثل المشاريع التُركية على دجلة والفُرات ، والتي تؤدي إلى حجزِ المياه في أوقاتِ الجفافِ الحَرِجة ، أدى إلى تنظيمِ مَحاوِر سياسيّة مُضادّة ، بتكتّل دولِ المَصَب المُتضرّرة لإنشاءِ جبَهاتٍ موحدة للضغطِ على دولِ المَنبَع بمثابَةِ إعلان حَربٍ صامِت ..!
لِذا ، وحسبَ ما تقدّم ، وجَب اللّجوء إلى تبنّي خطط تَحولُ دونَ تحوّل الأزمة المائية إلى حروبِ مياه ، وذلك بإدراجِ آليات تَحكيمٍ وقوانينَ مُلزِمة لفَضّ النِزاعات معَ رَبطِها بعقوباتٍ دوليّة لضمانِ التِزام الدول، وأيضاً تشجيع بِناء تحالُفاتٍ تقومُ على أساسِ تبادُلِ المَنفعة بينَ دوَلِ المَنبَعِ والمَصَب ، كالمعادن ومصادرِ الطاقة مُقابلَ حِصَصٍ مائية ..
ويُمكن الخروج بآليّات مُجدية تُشجّع دول المَصب على تقليلِ الإعتماد على المياهِ العابرَةِ للحدود عَن طريقِ التوسّع في مشاريع تَحليةِ مياه البحر بالطاقة المُتجدّدة وإعادةِ تَدوير مياهِ الصّرفِ الصحّي وتَبنّي تقنيّاتٍ ذكية للرّي ..
خِتاماً ، لَم تَعُد الدوَل تَقيس علاقاتِها بمدى التوافقِ الأيديولوجي أو التجاريّ فحسب، بل بمدى تهديدِ أو تأمينِ الطرَف الآخر لشريانِ حياتِها المائيّ ،
وبذلك فإن التّحالُفاتِ الناشِئة عن الصِراع على المياه لن تكونَ مؤقّته ، بل ستكون تحالفات بنيَويّة مُحدّدة لشكلِ النِظام الإقليميّ والدوليّ في العقودِ القادِمة ،
وإن لَم تَنجَح الدبلوماسية الدولية في تفعيلِ القوانين والإتفاقيات الخاصة بالإستخدام المُنصِف للمياه فسيتّجه العالم بسُرعةِ العَطَش إلى حروب المياه ..
فالحروب تُخاضُ بالسِلاح ، واتّفاقيات السّلام يُمكِن أن تُكتَب ، لا بقطرةِ الحِبر ، بل بقطرةِ الماء …



