مفهوم دولة السيادة والقانون

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
كثر الحديث عن مفهوم الدولة السيادية الضامنة لحقوق الأفراد إزاء انتهاك هذه الحقوق، أو كما يُطلق عليها “دولة العدل والقانون والحقوق الدستورية” التي يتم بموجبها تقييد أعمال الحكومة وسياساتها التعسفية تجاه الأفراد وطموحهم المشروع.
في هذه الدولة، ثمة ضمان للحقوق والحريات، وحماية قانونية شاملة للفرد يحق له استخدامها أمام القضاء. وفي هذه الدولة، تطبيق عادل للحرية والمساواة في تنفيِذ نصوص الدستور والقانون وأحكام القضاء العادل.
وفي هذه الدولة أيضاً، شراكة فعلية للمجتمع المدني متوازية مع مؤسسات الدولة، وضمان لمبدأ الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بموجب الدستور كي لا تتقاطع أو تتداخل في عملها وفقاً للضوابط الدستورية. في هذه الدولة كذلك، تتوافر شروط وضوابط لقراراتها وإجراءاتها بعدالة، مع تفعيل مبدأ الشفافية وفقاً لشروطه وسياقات تطبيقه. وفي هذه الدولة، توجد مجالس محلية منتخبة إلى جانب جهاز مستقل يتابع ويراقب أداء الحكومة ويطعن في قراراتها.
وفي هذه الدولة، تدرج هرمي لمؤسساتها وقوانينها وأنظمتها بانسيابية عالية كي تكون ضامنة لعملها. وفي هذه الدولة، ترسيخ للمصداقية والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروات والحقوق بين أبنائها، واحتكار للقوة المشروعة، وتطبيق لمبدأ التناسب. وفي هذه الدولة، تكون حرية التعبير مصونة ومحترمة، والقانون يطبق على الجميع بعيداً عن فرض إجراءات استثنائية في مواجهة ظروف تطال الجميع. وفي هذه الدولة، يُطبق القانون على المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو القومية، أو بين القوي والضعيف.
وفي هذه الدولة، تطبيق حي ورائد للمواثيق الدولية والإعلان الختامي لمؤتمر حقوق الإنسان الذي عُقد في فيينا عام (1993)، وكذلك القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ختام مؤتمر القمة العالمي عام (2005) الذي تضمن (الترابط بين حقوق الإنسان وسيادة القانون واحترام الحقوق الفردية). وفي هذه الدولة، امتثال كامل للأحكام القضائية، ونبذ للثأر والانتقام والعنف بين الخصوم، ورفض للتنازع والإملاء على مسيرة القضاء. وفي هذه الدولة، هيبة ووقار يُستمدان من حسن أداء مؤسساتها، ومشروعية أعمالها، ونزاهة رجالها وموظفيها وكفاءتهم وقوة شخصياتهم، وتمتعهم بروح الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان مادياً ومعنوياً وفكرياً.
وفي هذه الدولة، وفاق اجتماعي ومشاركة في البناء وإقامة مجتمع متحضر يتمتع بالحرية والعدالة، وبذل للجهود والتدابير لتعزيز وتقوية المؤسسات وترسيخ مقوماتها. وفي هذه الدولة، إشراك للقوى المحلية في التنمية والانتعاش الاقتصادي بوصفه شرطاً من شروطها. وفي هذه الدولة، تعاون فعال عابر للحدود، واهتمام استثنائي بالأمن القضائي باعتباره أحد المحاور الأساسية لعمل دولة القانون. فهل تملك الدول التي تدعي السيادة وتطبيق القانون أحداً من هذه المقومات ولو في حده الأدنى؟ إنها تملك صراعاً على السلطة، وتقاسماً للغنائم والثروات، وخلقاً لفوضى تشريعية، وتجاوزاً على الدستور، وتنفيذاً متدنياً ومصلحياً يعتمد نهب ثروات الدولة، وخطاباً إعلامياً مفرِّقاً ومقسِّماً لأطياف المجتمع. فهل يعقل أن يُطلق عليها دول السيادة والقانون؟

