تحويل الري السيحي الى الري بالواسطة

الدكتور المهندس كنعان عبد الجبار أبو كلل _ مهندس استشاري
عضو لجنة الزراعة والري، المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
يتميز العراق، كما تتميز بلدان أخرى، بكونه يملك من الأراضي الزراعية القابلة للإرواء ما يزيد على كمية المياه المتوفرة من مصادرها الطبيعية، إضافة إلى أن قسمًا من هذه المصادر لا يقع بمجموعه تحت تصرفه، حيث إن الأراضي الزراعية القابلة للإرواء في العراق تبلغ 22.213 مليون دونم، منها حوالي 7.81 مليون دونم في حوض نهر الفرات، و13.924 مليون دونم في حوض نهر دجلة، و0.480 مليون دونم في منطقة شط العرب.
وتُقدَّر المساحة الصافية من المساحة أعلاه بـ18.242 مليون دونم، وإن المياه المتوفرة، آخذين بنظر الاعتبار إكمال إنشاء الخزانات الرئيسية، لا تكفي إلا لمساحة مقدارها 12.8 مليون دونم (هذه المساحة قبل قيام دول منبع نهري الفرات ودجلة بتخفيض واردات النهرين أو قطعها)، على افتراض تطوير الزراعة بكثافة مقدارها 120%. ومما ورد أعلاه، فإن هناك مساحة قدرها 5.242 مليون دونم لا تتوفر لها الاحتياجات المائية.
وبالتالي، فإن الاقتصاد في استعمالات المياه، وإعطاء المياه للمدد التي يحتاجها النبات وبالقدر الذي يحتاج إليه (الاستهلاك النباتي)، يتطلب إعادة النظر في الاستهلاكات المائية المعمول بها في العراق بسبب المتغيرات المناخية، علمًا بأن قيم الاستهلاكات المائية المعمول بها حاليًا تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
ويشكل الاستهلاك المائي أحد الركائز التي يجب أن نوليها جل اهتمامنا، محاولين، قدر الإمكان، الاستفادة من المحاصيل التي يقل استهلاكها للمياه أولًا، وإرشاد ذوي العلاقة إلى ضرورة عدم إعطاء الحقول الزراعية أكثر مما تحتاج إليه.
من هذا المنطلق، وبهدف الإقلال من الهدر في المياه، وذلك عن طريق الري بالواسطة بدلًا من الري السيحي، فإن أكثرية الدراسات التي أُجريت في هذا المجال أشارت، وبغض النظر عن الجوانب الاقتصادية، إلى أن استعمال الري بالواسطة أقل هدرًا في استهلاك المياه من الري السيحي.
الهدف من تحويل الري السيحي إلى الري بالواسطة
1- إن الهدف الرئيسي من تحويل الري السيحي إلى الري بالواسطة هو الإقلال من هدر المياه، من خلال دراسة أنواع وكميات المحاصيل المنتجة أو القابلة للإنتاج، أو دراسة ما يمكن عمله لزيادة الثروة الحيوانية، بحيث توفر الزراعة حاجة الشعب إلى الغذاء، وتوفر ما تحتاج إليه الصناعة من منتجات زراعية لغرض ازدهارها. وإن الماء أحد عناصر الإنتاج، والهدف هو الاقتصاد في استعمالات المياه لأغراض الري، لكي نحقق هدفًا آنيًا وهدفًا مستقبليًا.
2- إن تحويل الري السيحي إلى الري بالواسطة يهدف إلى الإقلال من الهدر الحاصل في استعمالات المياه على المستوى الحقلي.
يحتاج النبات، لغرض إذابة المواد الغذائية الموجودة في التربة، إلى كمية من المياه تحيط بمنطقة الجذور، ويمتصها النبات، وبالتالي يتخلص من المياه الفائضة التي لا يحتاج إليها في الجو عن طريق عملية النتح المعروفة.
وليس بالإمكان التحكم كليًا في كمية المياه التي تُعطى للحقل على هذا الأساس، إذ إن ذلك يتطلب الإحاطة بشكل تفصيلي، ولكل مرحلة من مراحل نمو النبات، بامتداد منطقة الجذور وحجم الكتلة الترابية المحيطة بها، والتحكم في عدم تسرب المياه إلى الترب الواقعة خارج منطقة الجذور، سواء في اتجاهها الأفقي أو العمودي.
وعلى ذلك، فإن كمية من المياه تُعطى للنبات تزيد، عمومًا، على حاجته الفعلية، وتتراوح هذه الزيادة بين 10 و30% من الكمية التي يحتاج إليها النبات. ويذهب بعضها بالتبخر، في حين يذهب الجزء الأكبر منها إلى المبازل.
وعلى العموم، فإن الري السيحي التقليدي يقع ضمن الحد الأعلى لكمية الهدر (25–30%)، في حين يقع الري بالتنقيط ضمن الحد الأدنى (10–15%).
3- إن تقليل الضائعات، ولو بنسبة صغيرة ولتكن 5%، يعني في مجموعه، وعلى مستوى القطر، توفير مساحة إضافية مروية قدرها 650 ألف دونم. كما أن توفير 10% من المياه يعني إضافة مساحة مقدارها 1.3 مليون دونم، أو زراعة محاصيل اقتصادية ذات استهلاك مائي كبير، كالقطن أو الرز أو غيرهما.
وعلى ضوء ذلك، فإن البحث والتقصي عن المجالات التي يقل فيها الهدر في استعمالات المياه يؤدي، في النتيجة، إلى تحقيق الأهداف التي نسعى إليها جميعًا في الاقتصاد في استعمال المياه. وكما بيّنا سابقًا، فإن الري بالواسطة أحد تلك الجوانب، وقد يكون الري بالتنقيط أحد الجوانب الأخرى.
4- إن التقليل من الهدر الحاصل في مياه الري، وخصوصًا على مستوى الحقل، له جوانب اقتصادية أخرى ذات أهمية كبيرة، ويمكن حصرها بالآتي:
أ– تقليل المياه المتسربة من خلال التربة إلى المبازل، وبالتالي زيادة كفاءتها؛ إذ كلما قل ارتفاع المياه في المبازل، زادت كفاءتها.
ب– إن قلة المياه الذاهبة إلى المبازل تقلل من طاقة المضخات المطلوبة لشبكات البزل.
ج– إن قلة المياه على مستوى الحقل تقلل من احتمال ارتفاع المياه الأرضية، وبالتالي الإقلال من ظاهرة التملح على سطح التربة.
الجداول المغذية للوحدات الإروائية
تُعدّ الجداول المغذية في الأراضي المستصلحة المغذي المباشر للحقول الزراعية، وتتصف بما يلي:
أ– يبلغ طول الجدول المغذي، في معدله، بين 1.2 و1.5 كيلومتر، ويخدم مساحة تتراوح بين 200 و360 دونمًا، ويخدم، في معدله، 8–10 وحدات زراعية، لاستغلال كل منها من قبل فلاح واحد، وتتراوح مساحة الوحدة الزراعية بين 20 و30 دونمًا.
ب– يتراوح تصريف الجدول المغذي بين 30 و60 لترًا/ثانية. وتقع على الجداول المغذية منافذ حقلية تغذي قنوات حقلية، وقد صُممت هذه المنافذ لتمرير تصريف يتراوح بين 15 و30 لترًا/ثانية.
ج– أُنشئت الجداول المغذية في أكثرية المشاريع المستصلحة، إما من جداول ترابية مبطنة بالخرسانة، أو من القنوات مسبقة الصب (قنوات معلقة).
د– احتُسب منسوب المياه في الجداول المغذية، حيثما أمكن، بارتفاع عن الأراضي الزراعية لا يقل عن 20 سنتيمترًا، لكي يؤمّن إرواءها سيحًا. ويعكس ذلك إما أنها صُممت لتُروي بالضخ، أو تُترك دون إرواء.
تحويل الإرواء السيحي في المشاريع المستصلحة والمشاريع تحت التنفيذ إلى الري بالضخ (بالواسطة)
لغرض تحويل الإرواء السيحي في المشاريع المستصلحة وتحت التنفيذ إلى الري بالضخ، بالواسطة، يمكن طرح المقترحات التالية:
أ– بسبب ارتفاع مناسيب أكثرية الجداول المغذية لهذه المشاريع عن مناسيب الأراضي التي ترويها بما يتراوح بين 15 و20 سنتيمترًا، فإنه بالإمكان غلق المنافذ الحقلية، والاستعاضة عن الإرواء المباشر من المنفذ الحقلي بالإرواء عن طريق استعمال السايفونات (أنابيب مرنة بلاستيكية أو من الألمنيوم، بأقطار تتراوح بين 8 و10 سنتيمترات)
ب– غلق المنافذ الحقلية، وإلزام الفلاحين بالري عن طريق الضخ من القناة المغذية إلى الحقول (باستعمال مضخات بقوة 10 أحصنة)
ج– غلق منافذ الجداول المغذية، واستعمال المضخات لتغذية الجداول المغذية بالمياه عن طريق الضخ (مضختان بقوة 20 حصانًا لكل مغذٍّ) وعندها، بالإمكان اتباع أحد الأسلوبين التاليين في الإرواء الحقلي:
د– غلق نواظم الجداول الموزعة، واستعمال المضخات لتغذية الجداول الموزعة بالمياه عن طريق الضخ (مضختان بقوة 120 حصانًا لكل موزع). وعندها، بالإمكان اتباع أحد الأسلوبين التاليين في الإرواء الحقلي:
مشاريع الاستصلاح المقرر المباشرة بها
إن معالجة هذه المشاريع تختلف عن معالجة المشاريع التي نُفذت أو التي هي تحت التنفيذ، والوارد ذكرها سابقًا، وذلك لإمكانية جعل مناسيب المياه في جداولها أقل من مناسيب الأراضي الزراعية، ويمكن معالجة ذلك كالآتي:
1- جعل المياه في الجدول الرئيسي بمستوى أقل من مستوى المياه في الجداول الفرعية أو الموزعة، وعندها يجري الضخ من الجدول الرئيسي إلى الجدول الفرعي، وعلى العموم، يكون الإرواء الحقلي عندها عن طريق استعمال السايفونات.
2- جعل مناسيب المياه في القناة الفرعية أو الموزعة أقل من منسوب المياه في الجداول المغذية، وعندها يجري الضخ من القناة الفرعية أو الموزعة إلى الجداول المغذية. وعندها يكون الإرواء الحقلي باستعمال السايفونات.
3- جعل مناسيب المياه في الجداول عمومًا، بما فيها الجداول المغذية، أقل من مناسيب الأراضي الزراعية، وعندها يكون الضخ على مستوى الوحدة الزراعية (20–30 دونمًا)



