تهافت الثقافة أمام عيون جهلة

الدكتور عامر الدليمي
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
الثقافة هي أحد ركائز المجتمع الأساسية، وتتميز ببناء متطور لأنها مفتاح لفك مغاليق الأمور، وتساهم في بناء فكري حيوي ناجح وعلاقات واسعة لها واجب إنساني على المستويين الداخلي والخارجي، إذ تشكل حيزا فاعلا في التحضر والتمدن، وعملا منتجا ينير الطريق نحو حياة أكثر حيوية ومستقبل متفائل يتوافق مع التطور الإنساني، إذ يمكنها التحاور مع المشكلات الاجتماعية ومواجهتها بقدر فاعل للتغلب عليها، بأسلوب يعتمد تأثيرات إيجابية كمشروع إنساني، فالثقافة هي الحد الفاصل بين التطور الاجتماعي والجهل والأمية، كحقيقة لمعرفة الأشياء، وتحظى بقبول اجتماعي واسع للبناء والإصلاح.
والمثقفون هم الفئة التي تتسم باطلاع واسع في علم الثقافة، والمثقف هو من تلقى قدرا من التعليم، وقادر على فهم الأفكار كإنسان عصري اطلع على علوم الحياة وأدرك ما حوله من أشياء، لفهمه الواعي للثقافة وحصوله على معرفة شخصية تمكنه من الاطلاع على معارف الأفكار الجديدة ليستطيع تحليل معطياتها، والتوصل إلى نتائج سليمة من خلال عملية إشغال ذهنه القابل للتحليل العقلاني المستند إلى قواعد علمية لحل المشكلات والإسهام في تطويرها، بعيدا عن نظرة تهافتية غير واقعية توصف بأنها مرض نفسي وضعف سلوكي لتصرفات غير إنسانية، ودوافع توصف بالضبابية والتدليس، وبتبريرات مخادعة وتصور كاذب واضح لمقاصد معينة لأشخاص أو جماعات، لتحقيق مصلحة شخصية بعيدة عن الحقيقة، نتيجة تهافت وعيهم وضعف أدلتهم، بعيون جاهلة وتكالب سطحي للمتهافت دون وعي حقيقي للأفكار والمجتمع السليم، والنضوج الإنساني والمعرفي.
إن تسيد الجهلة وتهافتهم على المعرفة والسخرية منها أمام عيون جاهلة مملوءة بالشكوك يمنح الجاهل حضورا قويا أمام المثقف الواعي، إذ يميل الجاهل إلى اختزال تافه، ويحول المعلومة إلى ثرثرة لا قيمة لها، لعجزه عن خوض معارك ومطارحات فكرية ثقافية لا يملك أدوات الحوار فيها، إذ أصبح المجتمع، للأسف، يضيق ذرعا بالمثقف الواعي أو الكاتب أو المحاضرة الرصينة، ويفضل الوجبات الثقافية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فتراجع الثقافة أمام عيون الجهلة ليس دليلا على موت الثقافة نفسها، بل دليل على موت المجتمع الذي سمح للتافهين بالانتقاص من المثقفين الواعين.
