نشاطات المنتدى

أزمة المياه بين رصانة المعرفة وفوضى الادعاء.. المنتدى العراقي للنخب والكفاءات يصدر عددًا جديدًا من مجلة أوروك بملف علمي متخصص يبحث التحديات والحلول

صدر العدد الرابع من العام العاشر (تشرين الأول 2026) من مجلة أوروك، وهي مجلة علمية تصدر عن المنتدى العراقي للنخب والكفاءات، بالتزامن مع مرور عقد كامل على تأسيسها، في محطة علمية مهمة تؤكد رسوخ حضورها واستمرارية عطائها المعرفي. ويأتي هذا العدد في صيغة عدد خاص، مكرسًا لبحوث ودراسات علمية متخصصة تتناول أزمة الموارد المائية في العراق، وأبعادها البيئية والاستراتيجية، والتحديات التي تواجهها، والحلول والمسارات المقترحة لتحقيق الإدارة المستدامة للمياه.

كلمة رئيس التحرير الاستاذ الدكتور نظير الانصاري:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على الرسول الأمين، محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أزمة الموارد المائية: بين رصانة المعرفة وفوضى الادعاء

تُعدُّ أزمة الموارد المائية اليوم واحدةً من أكثر القضايا الاستراتيجية تعقيداً وإلحاحاً، لما تنطوي عليه من تأثيرات مباشرة في الأمن المائي والغذائي، والاستقرار البيئي، والتنمية المستدامة، والأمن المجتمعي. وفي ظل التغيرات المناخية، وتزايد الضغوط السكانية، وتصاعد الطلب على الموارد المائية، لم تعد هذه الأزمة شأناً فنياً يقتصر على المختصين، بل غدت قضية وطنية تتطلب رؤى استراتيجية بعيدة المدى، وسياسات رصينة، وقرارات تستند إلى الأدلة العلمية، وتتكئ على المعرفة المتخصصة والخبرة التطبيقية.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الاحتكام إلى الاختصاص العلمي، وإعلاء شأن البحث الأكاديمي الرصين، بوصفهما الركيزة الأساس في إدارة الموارد المائية وصياغة السياسات المرتبطة بها. فالهيدرولوجيا، والهندسة المائية، والجيولوجيا المائية، والعلوم البيئية، وإدارة الموارد المائية، والاقتصاد المائي، تمثل منظومة معرفية متكاملة، لا يجوز تناول قضاياها أو إصدار الأحكام بشأنها إلا استناداً إلى التأهيل العلمي الرصين، والخبرة المتخصصة، والمنهجية البحثية الدقيقة.

ومع بالغ الأسف، يشهد الفضاء الإعلامي في السنوات الأخيرة اتساع ظاهرة التصدي للحديث في قضايا المياه من قبل أفراد لا يمتلكون التأهيل العلمي أو الخبرة المهنية الكافية في هذا المجال. فكثيراً ما تُطرح تحليلات وأحكام قطعية تستند إلى اقتباسات مبتورة من الأدبيات العلمية، أو إلى ترجمات آلية غير دقيقة، أو إلى قراءات سطحية لمراجع متفرقة، ثم تُقدَّم للرأي العام على أنها حقائق علمية أو رؤى متخصصة، الأمر الذي يسهم في نشر معلومات مضللة، وتشويش الوعي المجتمعي، وإرباك النقاش العلمي، وربما التأثير سلباً في صناعة القرار.  

ولعل من أبرز مظاهر هذا الخلل تصدُّر بعض الشخصيات للمشهد الإعلامي، فتُدلي بآراء جازمة في ملفات علمية دقيقة تقع خارج نطاق اختصاصها. وليس من النادر أن يظهر طبيب، أو أكاديمي متخصص في حقل معرفي بعيد عن علوم المياه – كعلوم الأحافير، على سبيل المثال – ليتحدث بثقة عن أسباب أزمة الموارد المائية وآليات إدارتها، ثم يظهر في مناسبة أخرى بصفة محلل في قضايا زلزالية أو جيولوجية أو بيئية أخرى. وليس المقصود من هذا المثال الانتقاص من قيمة أي تخصص علمي، فجميع العلوم تتكامل في خدمة المعرفة الإنسانية، وإنما التأكيد على حقيقة علمية راسخة مفادها أن لكل علم حدوده المنهجية، وأدواته، ومفاهيمه، وأن التميز في تخصص معين لا يمنح بالضرورة الكفاءة العلمية للإدلاء برأي فني في تخصص آخر مستقل.

إن احترام التخصص ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو أحد المبادئ الجوهرية التي قامت عليها الحضارة العلمية الحديثة. فالتقدم العلمي لم يتحقق إلا بفضل التراكم المعرفي، والالتزام الصارم بالمنهج العلمي، والاعتراف بحدود الخبرة، والتعاون بين التخصصات ضمن أطر علمية واضحة، لا من خلال الادعاء، أو السعي وراء الحضور الإعلامي، أو توسيع دائرة الاختصاص إلى ما يتجاوز حدود التأهيل العلمي.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول الشهرة الإعلامية إلى معيار يُقدَّم على الكفاءة العلمية، أو عندما تُسند المسؤوليات الفنية والاستشارية والتنفيذية في القطاعات الحيوية إلى غير المؤهلين. فإدارة الموارد المائية ليست مجالاً للاجتهادات الشخصية أو الخطابات الانفعالية، بل هي علم يقوم على البيانات والرصد والتحليل والنمذجة والتخطيط طويل الأمد. وأي انحراف عن هذه المرتكزات يفضي إلى قرارات غير مدروسة، وإهدار للموارد، وتعميق للأزمات، وإضاعة فرص التنمية المستدامة.

ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات الأكاديمية والبحثية لا تقتصر على إنتاج المعرفة، بل تمتد إلى صون النزاهة العلمية، والدفاع عن مكانة الاختصاص، والتصدي لكل أشكال التضليل المعرفي، بما يعزز ثقة المجتمع بالخبرة الحقيقية، ويكرس ثقافة الاحتكام إلى الدليل العلمي في معالجة القضايا الوطنية الكبرى. ولأن المعرفة العلمية لا تكتمل فائدتها إلا عندما تلامس الواقع المجتمعي، تبرز الضرورة القصوى لإطلاق برنامج وطني شامل للتوعية الجماهيرية؛ برنامج يستند إلى الحقائق والأدلة العلمية الدقيقة، ويهدف إلى بناء وعي مجتمعي حصين ضد التضليل، وتوجيه السلوك العام نحو الاستدامة المائية، وترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك واحترام التخصص لدى وسائل الإعلام والرأي العام على حد سواء.

وفي هذا الإطار العلمي المتكامل، يتجلى أحد أبرز التطبيقات الحديثة للجيولوجيا المائية والهيدرولوجيا الاستراتيجية في مفهوم خزن الطاقة الحرارية في طبقات المياه الجوفية حيث لم يعد دور هذه الطبقات يقتصر على تأمين الموارد المائية للشرب والزراعة، بل أصبحت تمثل خياراً استراتيجياً واعداً للإسهام في التخفيف من أزمة الكهرباء المزمنة في العراق. إذ تتيح هذه التقنية المبتكرة خزن الطاقة الحرارية موسميّاً واستغلالها في عمليات التدفئة والتبريد الكبيرة، مما يسهم بشكل مباشر في خفض الأحمال الذروية المفرطة على الشبكة الكهربائية الوطنية، وتقليل استهلاك الطاقة التقليدية، وتوفير حلول بيئية مستدامة تربط بفعالية بين الأمن المائي والأمن الطاقوي.

وانطلاقاً من هذه المسؤولية العلمية والوطنية، أفردت هيئة تحرير مجلتنا هذا العدد كاملاً لموضوع «أزمة الموارد المائية»، إدراكاً منها لأهمية هذا الملف في حاضر الوطن ومستقبله. وقد تشرف هذا العدد بمساهمات نخبة من الأساتذة والباحثين المتخصصين، المعروفين بإنتاجهم العلمي الرصين وخبراتهم الأكاديمية والميدانية الممتدة، ليقدموا دراسات وتحليلات تستند إلى المنهج العلمي، وتعالج مختلف أبعاد الأزمة برؤية علمية متكاملة.

ويضم هذا العدد تسلسلاً متكاملاً من البحوث والدراسات العلمية التي تتناول محاور الأزمة ومسارات معالجتها:

نظرة على الأمن المائي والغذائي والمجتمعي في العراق: التحديات ورؤية استراتيجية للحلول الإقليمية والوطنية (2025–2050) – الأستاذ الدكتور نظير الأنصاري والمهندس الاستشاري نصرت أدامو
أزمة الموارد المائية في العراق: تشخيص بنيوي ومسارات للإدارة المستدامة – أ.د. نظير الأنصاري، المهندس الاستشاري نصرت أدامو، فاروجان سيساكيان، أ.د. سلوان علي عبد
شحة المياه في العراق وسيناريوهات المعالجةالمهندس علي حسين حاجم
من التخطيط إلى الاستدامة: قراءة نقدية في الدراسات المائية ورؤية لإصلاح إدارة المياه في العراق – المهندس عبد الكريم حسن سلومي الربيعي
تأثير التغير بالمناخ على الموارد المائية في حوض نهر دجلة – الدكتور فؤاد حسين
المياه الجوفية في العراق: مراجعة شاملة لواقع التحديات وآفاق الإدارة المستدامة– أ.د. صبار عبد الله صالح وأ.د. نظير الأنصاري
المياه في العراق: أزمة بين تراجع الموارد وتصاعد الطلب… ولماذا ينبغي أن تتقدم إعادة الاستخدام على التحلية؟ – الدكتور صلاح لفته فرحان الزبيدي
التصحر في العراق: الأسباب وتدابير التحدي – أ.د. عبد صالح فياض الدليمي، د. حسني جاسر محمد الحديثي، د. راوية مزعل محمود العزاوي
An Integrated Framework for Managing Transboundary Water Conflicts: An Iraqi Engineering Perspectiveالمهندس عبد الكريم حسن سلومي الربيعي
تخزين الطاقة الظاهرة في طبقات المياه الجوفية: المبادئ العامة والجدوى في حوض حلبجه – خورمال العميق، شمال شرق العرا ق – الدكتورة لنجة فاروق علي، الأستاذ الدكتور نظير الأنصاري، الأستاذ الدكتور صلاح الدين سعيد علي
أهوار جنوب العراق: بين الأزمة البيئية، الأطر الدولية، وأوراق الضغط الاستراتيجية لإنعاش الحياة – الاستاذ الدكتور نظير الانصاري، جامعة لوليو التكنولوجية – السويد

وإننا نأمل أن يسهم هذا العدد في إثراء المعرفة العلمية، وتصحيح المفاهيم المتداولة، ودعم متخذي القرار بالمعلومة الدقيقة، وترسيخ ثقافة احترام الاختصاص، إيماناً بأن معالجة التحديات الوطنية الكبرى لا تتحقق إلا بتكامل العلم والخبرة، وبأن حماية الموارد المائية مسؤولية وطنية مشتركة لا ينهض بها إلا أهل العلم والكفاءة.

وفي زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتختلط فيه الحقيقة بالادعاء، يبقى صوت العلم الرصين هو الأكثر هدوءاً، والأشد تأثيراً، والأبقى أثراً؛ لأنه الصوت الذي يستند إلى البرهان، ويخضع للنقد العلمي، ويتجرد للحقيقة. وإن الأمم لا تبني مستقبلها بضجيج الخطاب، وإنما تبنيه بعقول علمائها، ونزاهة باحثيها، واحترامها العميق للتخصص، وإيمانها بأن المعرفة الموثقة هي الأساس الذي تُبنى عليه القرارات الرشيدة والسياسات المستدامة.

 

لتصفح المجلة اضغط الرابط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى