لجنة الثقافة و الاعلام

هل ستتّسع دائرة الصراع ؟ الاحتمالات والنتائج

مصطفى كامل

منذ بدأت الحرب التي تدور في قطاع غزة الفلسطيني فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي وكل الأحاديث في وسائل الإعلام العربية والدولية تتمحور حول سؤالٍ واحدٍ مفاده: هل يتوسّع الصراع الدائر في غزّة ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط؟

ليس هذا فحسب، بل أن كل التحركات الدبلوماسية، عربية وإقليمية ودولية، تسعى، حسب ما هو معلنٌ من تصريحات، إلى منع امتداد نيران الحرب إلى مناطق أخرى، حتى لو كانت مجاورة لفلسطين، وكأن القائمين بهذه التحركات السياسية يقولون لنا بطريقة غير مباشرة، لكن واضحة، إنه لا مانع لديهم من بقاء النيران مستعرة في هذا القطاع الذي يلتهب يومياً بمئات الحمم الصهيونية التي تعرّض حياة نحو مليونين ونصف مليون إنسان لخطر الحريق وكأن الاستمتاع بمنظر اللهب المستعر في غزة يشبه الاحتفاء بحفلة شواء في ليلة مقمرة تستعر فيها نيران خشب البلوط المشتعلة.

هذا السؤال إذاً هو أهم أسئلة الحرب: هل ستتّسع نيران المعركة لتندلع الحرائق في مكان آخر؟

والإجابة الحاسمة على هذا السؤال يمكن اختصارها بكلمة واحدة هي: لا.

أما في التفاصيل فيمكن أن نقول الكثير لكننا سنحاول الإيجاز ولكن بشمولية.

غير أننا قبل أن نجيب على هذا السؤال وبغية فهم معنى الكلمات بدقة والهدف الكامن وراء معظم التحركات الدبلوماسية، الأميركية وغيرها، يتعيّن علينا التأكيد على أن أيَّ حديثٍ عن تجنّب توسيع رقعة الحرب والعمل على منع امتدادها إلى جبهات أخرى هو في الحقيقة خدمة للعدو الصهيوني، مجانية أو مقابل ثمن، لأن العدوّ لا يمكن أن يستمرَّ في عدوانه، وربما سيفقد كيانه كله، إذا فُتِحت عليه جبهات عدة، ومن هذا المنطلق يحرص (محبيه وأصدقاؤه) على تجنيبه هذه النتيجة المأساوية بالنسبة له.

هناك سبع دول في المنطقة معنية على نحوٍ مباشرٍ بهذا الصراع، وهناك أخرى ثانوية تندرج تحت محور إحدى هذه الدول، ولنبدأ باستعراض مواقفها وما تزمع القيام به:

الدولة الأولى تركيا، ليس ثمة مؤشرات على الإطلاق تومئ إلى أن تركيا يمكن أن تنخرط في هذه الحرب، فالدبلوماسية التركية تحاول التركيز على إيقاف إطلاق النار والشروع بعملية إعادة إعمار ما دُمّر في غزة، وبالتأكيد فإن التركيز على الجهود السياسية ومحاولات التوسط يجعل من أية دولة في منأى عن الدخول المباشر في الحرب، لأن ذلك ببساطة يُفقدها دور الوسيط الذي يحاول التدخل في مهام سياسية أو إنسانية، وهذا نفس الدور الذي قامت به أنقرة في الحرب الروسية الأوكرانية التي باتت مع طول مدّتها نسياً منسيا.

أقصى ما يمكن أن نتوقعه على الصعيد العسكري من تركيا هو أن تتولى قواتها المسلحة حماية ممر أمني، في حال إنشائه، لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة بعد توقف القتال أو حتى في ظل هدنة مؤقتة لمدة محدودة يمكن أن تتجدد تبعاً لمعطياتٍ معينة؟

وأعتقد أن هذا جزء من الحملة الدبلوماسية النشطة التي يقودها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. هذه هي حدود ومديات العمل التركي في هذه المعركة.

الثانية هي مصر، ومع أن مصر أقرب الدول جغرافياً إلى غزة، وهي معنية بالصراع الدائر الآن على نحوٍ مباشرٍ في ظل الخطط الصهيونية لتهجير أبناء غزة الفلسطينية إلى سيناء المصرية المجاورة، إلا أن مصر بعيدة تماماً عن خوض حربٍ، فهي من جهة مكبّلة بشروط معاهدة كامب ديفيد، وهي من جهة ثانية تحاول التركيز على الجهود التي تبذلها بالمشاركة مع تركيا بشأن المساعدات التي لابدّ أن يكون معبر رفح بوابتها الرئيسة أو الوحيدة ربما.

الدولة الثالثة هي الأردن، ومع كونها تضمّ أكبر عددٍ من المواطنين الفلسطينيين بجذورهم المنتمية إلى الأرض المحتلة، ومع كونها الأكثر تماسّاً مع الحالة الفلسطينية لعوامل جغرافية وسياسية وأمنية، إلا أنها بعيدة كلياً عن أي عمل عسكري، فهي كما مصر، مكبّلة باشتراطات معاهدة وادي عربة وبأثقالٍ اقتصادية مريرة.

وهذه العوامل المكبِّلة والأثقال تحول بشكل تام دون المشاركة العسكرية، لذا فالمتاح حالياً هو التحركات السياسية لمنع توسّع الصراع، ولضبط الأمور من الانفلات على الصعيد الداخلي.

الدولة الرابعة هي سوريا، والموقف السوري على الصعيد الرسمي لا علاقة له بظروف الثورة السورية ومتطلبات عمليات القتل الدائم للشعب السوري الجارية الآن في إدلب بشكل خاص، إنه مرتبط تحديداً بظروف الاملاءات الإيرانية، وربما الروسية أيضاً، القاضية بالتعامل الحذر وبالتزام الصيغ الدبلوماسية التي يمكن أن تندّد أو تشجب أو تستنكر في أقصى حد، لكنها بالتأكيد لن تفعل شيئاً.

واللافت أن نظام دمشق الذي قضى عمره كله يتحدّث عن المواجهة والمقاومة والممانعة رفض السماح للفلسطينيين اللاجئين في دمشق حتى بتنظيم مظاهرات سلمية لرفض الاعتداءات الصهيونية على غزة والتضامن مع أهلهم الذين يتعرضون لأبشع المجازر الصهيونية.

بعبارة أخرى فإن سوريا خارج الحسبان أيضا.

الدولة الخامسة هي لبنان، ولأنها خاضعة لسطوة حزب الله، وكيل نظام ولاية الفقيه الإيراني المعتمد في المنطقة، فإنها لن تتخذ موقفاً خارج الحسابات الإيرانية، وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل لاحقا.

الدولة السادسة هي السعودية، منذ الساعات الأولى لاندلاع معركة طوفان الأقصى وضع الاعلام السعودي، الرسمي والشعبي، الموجّه مرحلياً أو المبرمج سلفاً، وضع نفسه بالضدّ منها، وأظهر الخطاب شبه الرسمي الذي يعبّر عنه مقرّبون من الدولة نقمةً شديدةً على حركة حماس وعلى “الطوفان” كله، وكان خطابهم منحصراً في قضية واحدة هي أن هذه المعركة موجهة ضد السعودية بالدرجة الأساس وتهدف إلى منع المملكة من إبرام اتفاقية لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وهي جهود بذلت واشنطن والرياض الكثير من الجهود بشأنها مقابل ضمانات أمنية وعسكرية أميركية بحماية المملكة، ومقابل السماح للرياض بإنشاء برنامج نووي يتضمن تخصيب اليورانيوم.

والحقيقة أن الضمانات الأمنية والعسكرية الأميركية عبارة مطاطة جداً ومضللة جداً ولا يعتمَد عليها أبداً حتى لو تقدّمت واشنطن بها، لسببين، الأول أنه لا يعرف عن الولايات المتحدة الالتزام بتعهداتها تجاه أية دولة عربية، فهي على استعداد أن تبيع أية دولة وتضحّي بأي نظام إذا ما سنحت لها فرصة للاستفادة من جهة أخرى، والثاني أن الولايات المتحدة محكومة بالكونغرس بمجلسيه وبالمزايدات السياسية التي تستعر في مواسم الانتخابات بين أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي في المجلسين وبالعلاقات التي تتحكم بحركة ومواقف أعضائه، وهذا يعني أن ما يمكن أن تتعهّد به واشنطن اليوم يمكن أن تنقضه غدا.

فضلاً عن ذلك فإن موضوع تخصيب اليورانيوم يجب أن تنظر السعودية إليه من جانبٍ غير الذي تنظر منه الآن، أو على وجه الدقة غير الذي عمِلت أطرافٌ أميركية على زرعه في أذهان مسؤولين سعوديين، فالحقيقة أن الرياض ليست مضطرة إلى الاعتراف بالعدو الصهيوني وإقامة علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، والتكامل معها على حدّ قول سفيرتها في واشنطن ريما بنت بندر، مقابل الحصول على تكنولوجيا نووية، فامتلاك السعودية لهذه التكنولوجيا المتقدّمة، وغيرها، حقٌ سياديٌ مطلقٌ لها، ولا ينبغي ربطه بأي شيء آخر، ولا ينبغي التعامل بالحقوق السيادية على أساس المقايضة، فالسعودية دولة محورية في المنطقة وفي العالم وهي وحدها صاحبة الحق في امتلاك ما تشاء من تقنيات بما يخدم سياساتها الطموحة ويعزّز برامجها التنموية الناهضة، ولها وحدها حق حيازة ما ترغب به أو ما يمكنها من وسائل لحماية إنجازاتها الاقتصادية ونظامها السياسي.

وما قلناه في أعلاه يعني أن السعودية لن تُشارك في أي عملٍ عسكري مباشر، لكنها مع ذلك لا تمتنع من الانفتاح على مناقشة ما يُعرَض عليها من أفكار.

فزيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان قبل أيام إلى واشنطن تركّزت على مناقشة المقترح الأميركي القاضي بمشاركة قوات سعودية في التواجد على أرض غزة بعد إتمام احتلالها إسرائيلياً وإسقاط حكم حركة حماس فيها، ثم الانسحاب العسكري الإسرائيلي منها.

ومع أن هذا هو هدف الزيارة باعتقادي فإنني لا أتصور أبداً أن الرياض يمكن أن تقع في هذا الفخ الذي سيجعل منها قوة احتلال، أي في مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين، وأعتقد أن السعوديين أكثر حصافةً من الخوض في مهمةٍ عسيرةٍ بل كريهة كهذه حتى لو كان الثمن يتعلّق بأهداف يسعى إليها السعوديون الرسميون على نحوٍ حثيث.

تبقى لدينا الدولة السابعة وهي إيران، وهي الدولة الوحيدة باعتقادي المرشّحة لعمل عسكري مباشر، بل هي الدولة الوحيدة القادرة فعلاً على القيام بعمليات عسكرية على الأرض من جبهات عدة وبوسائل عدة، وهي الدولة الوحيدة التي تصرخ بتحرير فلسطين عسكرياً في المنطقة، وهي الدولة الوحيدة التي تعني مشاركتها توسيعاً لدائرة الصراع فعلاً، ولكنها بالتأكيد لن تفعل.

الذي نجزم به هنا هو أن دائرة الحرب التي يتحمّل أهوالها أهل غزة وحدهم لن تتوسّع، فكل الأمور ستبقى تحت السيطرة بصرف النظر عن كل حملات التهويش والتشويش والدعاية السياسة والصراخات الآيديولوجية.

طبقاً لفهمنا لما يحيط بالموقف من تفاصيل فإن إيران لن تدخل الحرب إلا إذا هوجمت مباشرة من أميركا أو إسرائيل وهذا لن يحدث الآن، لأن الأطراف الثلاثة حريصةٌ على عدم الوصول إلى مرحلة تجاوز الخطوط الحمراء التي تعني ضرب إيران والدفع بها إلى عملٍ عسكري مباشر.

الذي نراه أن نظام الولي الفقيه سيبقى يُشاغل الصهاينة على نحوٍ محسوبٍ بدقةٍ من خلال أذرعه الإرهابية التي عَمِلَ بجدٍّ على إنشائها وتقويتها طيلة عقود خدمةً لمشروعه العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي، وهي مشاغلةٌ لكسب الوقت بما يطيل عمر النظام ويعبر به مرحلةً حرجة؛ من جهة؛ وبما يضمن استمرار خطاب إيران الثورة الذي يعلو ويخفت حسب مقتضيات قرار إيران الدولة وحاجته لتصعيدٍ هنا أو تهدئةٍ هناك؛ من جهة ثانية.

في سياق الإجابة على سؤال الحرب الأهم نستعيد مشهداً تاريخياً لم تمضِ عليه سوى 32 سنة.

فمع بدء حرب الكويت مطلع سنة 1991 شنّ العراق هجمات صاروخية مدمّرة على مواقع عسكرية واقتصادية وتصنيعية داخل الكيان الصهيوني، وهي هجمات بلغ عددها 43 هجمة وألحقت خسائر جدّية بالمواقع التي أصابتها وأوقعت في صفوف الصهاينة قتلى وجرحى.

فمالذي حدث حينها؟!

تركّز الجهد الدبلوماسي الأميركي حينها على ضبط الأمور بدقة عالية ومنع العدو الصهيوني من التحرك العسكري والمشاركة الفعلية المباشرة في الحرب ضد العراق، وقد نجحت تلك الجهود الدبلوماسية في ذلك رغم أن العراق سعى لجرِّ أقدام العدو الصهيوني إلى مواجهة مباشرة في إطار سعيه لربط مشاكل المنطقة بعضها ببعض.

واليوم يتركّز الجهد الدبلوماسي الأميركي والأوروبي والعربي والإقليمي على منع الكيان الصهيوني من الردّ على مشاغلات الأذرع الإيرانية ليس لأنها غير مؤثرة فحسب، بل لأنها في الأصل متّفقٌ على حدودها وتأثيراتها أيضا.

وحتى إن تطوّرت هذه المشاغلات لانخراطٍ أكبر في الصراع المسلح، لحسابات إيرانية بحتة لا علاقة لها بفلسطين، فإن المؤسسة الحاكمة في تل أبيب تؤكد على أنها لن تنجرَّ إلى محاولات توسيع دائرة الرد العسكري وستكتفي بضربات موضعية لمواقع انطلاق الهجمات دون أن تردّ بشكل شامل.

قلنا في مقالنا “محاولة للإجابة عن بعض أسئلة الحرب العربية الصهيونية السادسة” إن إيران التي تتعامل بوجهين أو أكثر تخلّت تماماً عن وجه إيران الثورة وأظهرت للجميع وجهاً جديداً كانت تحرص على أن تتعامل به بشكل مواربٍ وعلى استحياء، وأعني به وجه إيران الدولة التي تراقب وتحذّر وتندّد وتستنكر ولكنها لا تفعل شيئاً على أرض الواقع.

ورأينا، ليس من خلال الحديث فقط بل من خلال الوقائع، كيف اختفى المرشد الإيراني علي خامنئي وممثلوه الفوضويون وكل رجال الدين المهرّجون وكل البرلمانيون والمتحدثون التحريضيون وحتى قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني اختفى في غيبته الكبرى، وظهرت بدلاً عن هؤلاء جميعاً شخصياتٍ دبلوماسيةٍ بوجوهٍ ناعمةٍ وبدلاتٍ أنيقةٍ تختار كلماتها بعنايةٍ وتحسب للكلمة والموقف ألف حساب.

ومع ذلك كان كثيرون من الواهمين أو المضللين، عرباً ومسلمين ولأسباب عدة، كانوا يتوقعون أن تتخذ إيران موقفاً مباشراً بشأن الحرب الدائرة الآن، وكان بعض الأشخاص يعتقدون أن إيران ستتخذ موقفاً ليس على سبيل الإيمان به وانما من باب تحسين صورتها التي تمرّغت في وحل النفاق والخيانة والغدر الذي بدا واضحا خلال أيام هذه الحرب الشرسة والدموية.

لكن إيران خيّبت أوهام الواهمين وضلالات المضللين ورجاء الراجين بل وحتى توقعات المحللين المحايدين.

مع ازدياد الأسئلة حول سرّ اختفاء إيران عن الفعل في الساحة، ومع ارتفاع الأصوات المستنكرة لذلك حتى من أوساط كانت مخدوعة أو واهمة أو ساكتة، خرج علينا الولي الفقيه في عرضٍ فاضحٍ تماما، مؤثراً أن تكون له طريقته المتميزة والخاصة التي تسجّل باسمه حصرياً، إنها طريقة التعري الكامل دفعة واحدة على سبيل البشاعة المطلقة.

رداً على من يتساءلون لماذا لم تدخل طهران ساحة المعركة الفلسطينية بعد انقضاء كل هذه المدة ومع فداحة التضحيات البشرية والخسائر المادية الهائلة في غزة وفي مواقع أخرى من فلسطين المحتلة خرجت علينا صحيفة “كيهان” الإيرانية الناطقة بلسان الولي الفقيه لتعلنها بوقاحة بشعة تماماً قائلة إن “إيران لا تخوض حرباً نيابة عن أي دولة”.

وإمعاناً في المنظر الكريه للمرشد خامنئي وهو يتعرّى واصلت كيهان القول إن “خطاب الثورة الإسلامية يقوم على إيقاظ الأمم وتقويتها، لكنها لا تدخل في حرب بدلاً من أية أمة”.

ومنعاً لأيِّ التباسٍ قد يحصل في ذهن قارئ هذه الكلمات أو المستمع إليها أكدت الصحيفة الناطقة بلسان خامنئي أن إيران دولة تستخدم البراغماتية بأقبح صورها وبينما تدفع الآخرين لاتخاذ مواقف متشددة أو ربما خوض حروب فإنها تؤثر السلامة، وقالت “لقد نجحت هذه الاستراتيجية حتى الآن في تحييد مختلف السيناريوهات الأميركية ضد إيران في منطقة غرب آسيا”.

ماذا يعني هذا الكلام على بشاعته ووضوحه؟

مع أن الكلام واضح جداً لمن يريد أن يفهم لكن لا بأس من التوضيح البسيط له لكي يزيل من يضع النظارات السوداء الغشاوة عن عينيه ولكي نعتذر إلى الله أننا قمنا بواجبنا في التوضيح والتنوير.

هذا الكلام يعني بوضوح أن الولي الفقيه خامنئي خرج إلى الملأ العام عارياً تماماً مفضوحاً تماماً وبدا على حقيقته بشعاً تماماً، فقد أسقط كل المحرمات ورمى جانباً كل ما كان يصرخ به هو وعملاؤه النابحين من خلفه بشأن فلسطين ومواجهة “الاستكبار العالمي” والعداء لـ “إسرائيل والشيطان الأكبر”.

هذا الكلام الفاضح القبيح يعني ببساطة تامة أن إيران تورّط من يدور في فلكها في مغامراتٍ مجنونةٍ وحروبٍ مستعرةٍ وتدفع بهم إلى الهاوية بتحريضٍ مستمر وبوعودٍ دائمةٍ بنصرتهم والوقوف معهم لكنها تتخلى عنهم عندما يجدّ الجد ولا تقاتل معهم.

وحتى يكون الأمر واضحاً، فإنني لا أعني المقاومة الفلسطينية التي تسعى لتحرير أرض فلسطين ومواجهة العدو الصهيوني، فهذه مقاومةُ حقٍّ وواجب، وليست مغامرات مجنونة وهي السبيل الذي لا بديل عنه لاسترداد حقوق شعب فلسطين التاريخية المغتصبة من المحتلين الصهاينة. فالمعني بكلامي هم عملاء إيران الذين ينشئون الميليشيات ويكدّسون الأسلحة ويسرقون أموال الشعوب.

بصراحة، بل بوقاحةٍ مفضوحة، تقول إيران لعملائها وخصوصاً في العراق وسوريا واليمن ولبنان: أثيروا الفتن وحاربوا ونحن نساوم عليكم، وفي النهاية إذا عرضوا علينا سعراً مناسباً مقابل رؤوسكم سنبيعكم، فالذي يعنينا فقط هو سلامة إيران وأنتم مجرد دريئة أمامها ودرع لسلامتها.

لكن موقف إيران لا يعني إيران وحدها، فهناك ثلاث محطات إضافية لابد من الإحاطة بها:

المحطة الأولى في العراق، وعلى هذا الصعيد برز يوم الخميس 2/11 موقف مهم مثّل رسالة سياسية واضحة للولايات المتحدة، وهي أحد ضامِنَينِ رئيسينِ لوجود سلطة الميليشيات الحالية في العراق.

هذا الموقف المهم هو الاجتماع الذي وُصِف بكونه (طارئ) الذي عقده رئيس أركان عصابات الحشد الشعبي عبدالعزيز المحمداوي، الشهير بكنيته أبو فدك، مع زعماء ميليشيات الحشد الشعبي.

عن هذا الاجتماع، الذي صُمّم بتوقيته ومخرجاته بدقة، أخرج إعلام الحشد مقطعاً مصوّراً مدّته نحو ثلاثة دقائق مصحوباً بموسيقى تصويرية، مع تسريب متعمّد لبضع عبارات قيلت بقصد واختيرت للنشر بقصدٍ أكبر.

في هذه العبارات المنتقاة سمعنا بوضوح تأكيد المحمداوي أن الحشد لن يقوم بأيَّ فعلٍ لصالح شعب فلسطين لأنه مرتبط بفتاوى المرجعية الشيعية في النجف، وهي ساكتة، وبمواقف رئيس الوزراء العراقي، وهو خاضعٌ لأوامر وزارتي الخارجية الإيرانية والأميركية.

أعتقد أن هذا حديث مهم جداً وهو رسالة لأميركا مفادها أن الحشد الشعبي منضبطٌ بفتوى المرجعية الشيعية، وهي تحت السيطرة تماماً مثلما كانت أيام مواجهة الغزاة الأميركيين وهم يتقدّمون صوب بغداد في ربيع سنة 2003 ومثلما كانت أيام تثبيت مشروع الاحتلال في العراق في السنوات اللاحقة، كما أن الحشد منضبطٌ بالقرار الحكومي في بغداد، وهو بيد أميركا وإيران، والطرفان، الأميركي والإيراني، يعملان على إحكام الموقف لكيلا تنفلت الأمور في العراق وتضيع السلطة من يد الميليشيات الحاكمة هناك.

نكتة سمجة فعلاً أن نرى الحشد بات الآن خاضعاً لقرار القائد العام، أي رئيس الوزراء، بينما كان قبلاً خاضع لأوامر الولي الفقيه.

والحقيقة أن هذا الموقف ليس تبدّلاً في الولاءات بل التزاماً بالتوجيهات الإيرانية المشدّدة في هذه المرحلة.

على الصعيد اللبناني تبدو المناوشات بين حزب الله والعدو الصهيوني في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، سواءً في معركة العامود أو غيرها، فضلاً عن كونها دعاية لمحور مقاومة سليماني فهي محدودة ومسيطر عليها وتتم على وفق قاعدة اللعب في كرة الطاولة Ping Pong، أي ضربة مقابل ضربة لا أكثر.

وبينما أكتب سطور هذا المقال حسم زعيم الحزب حسن نصرالله الموقف في خطابه الممل المليء بالعبارات الفضفاضة والمواعظ الدينية والأوصاف الشعاراتية، وهو ما تحدثنا عنه مراراً من قبل، وكشف عن وجهه المخادع والطائفي والغادر، كما نعرفه تماماً، وبدا في خطابه منسجماً تماماً مع التوجيهات الرسمية الإيرانية التي نقلها له وزير خارجية الولي الفقيه حسين أمير عبد اللهيان قبل أيام.

والأهم في الموقف اللبناني أن زعيم حزب الله، كما ظهر واضحاً في خطاب الجمعة البائس، صار هو الدولة اللبنانية وهو الجيش اللبناني وهو البرلمان اللبناني، بمعنى أنه اختطف القرار الرسمي والعسكري والشعبي في لبنان، ووضعه في جيبه، والأدهى أن هذه الجهات الثلاثة الرسمية والعسكرية والشعبية سلّمت لزعيم العصابة التي اختطفت مقدّراتها بمشروعية الاختطاف واستسلمت تماماً لرغباته الطائفية ومزاجه الوحشي في الهيمنة والتملّك حتى صار هو وحده لا شريك له من يحدّد قرار الحرب في لبنان بكل تفاصيله موعداً وكيفية ومكاناً، وهو الذي يحدّد قرار السلم بكل تفاصيله موعداً وكيفية ومكاناً، ولِمَ لا فهو الآمر الناهي، وهو الدولة والجيش وهو القوى السياسية التي يُفترَض أن تتمثّل في البرلمان.

وفي السياق نفسه نشير إلى أن احتلال إيران لجنوب لبنان من خلال حزب الله لم يكن على سبيل ملء الفراغ لعدم وجود بندقية تقاوم غير بندقية حزب الله، كما يزعم بعض المتحذلقين، بل كان عملاً مقصوداً مخطّطاً له تماماً لمنع القوى السياسية اللبنانية أو المتواجدة في الساحة اللبنانية التي كانت تقاوم العدو الصهيوني، قبل تخليق حزب الله في المختبرات الخمينية، من العمل المقاوم، ولكي يخضع الجميع للقرار الإيراني الذي يرسم ليس حدود العمل العسكري في الجنوب اللبناني وتوقيته وكيفيته ومجاله ومكانه وحتى الأسلحة المستخدمة فيه فحسب بل يقرّر حتى من يُسمَح له بالتواجد هناك وحتى من يفكّر بالمرور في تلك المنطقة حسب.

المحطة الثالثة هي اليمن، أعني الحوثي في صنعاء، حيث سيكون متاحاً أمام الميليشيات الحوثية إطلاق ما يشاء من الصواريخ الباليستية والمجنّحة والطائرات المسيّرة، ليس لأنها غير مؤثرة كما مقذوفات حزب الله، بل لأن طول المسافة وما تستغرقه هذه المقذوفات من مدةٍ زمنيةٍ لقطعها يتيح للدفاعات الجوية الأميركية والصهيونية رصدها وإسقاطها، وهي المقذوفات التي لم ترصدها بوارج أميركا عندما كانت توجه إلى مواقع سعودية أو إماراتية، مدنية واقتصادية في الغالب.

نعم سيُسمَح للحوثي إطلاق ما يشاء لأن هذه المقذوفات تسمح بإدامة البروباغندا الدعائية لمحور مقاومة سليماني بأنها تفعل وتشارك في الميدان فعلاً، وهي غير كذلك طبعا.

 

ختاما

في محاولتنا الإجابة على أهم أسئلة الحرب اليوم لا ننطلق من تخمينات أو أمزجة أو عواطف ولا نحلّل بناءً على معلومات متناثرة وغير واضحة المعالم بل من فهمٍ دقيقٍ لوقائع التاريخ واستقراءٍ مبصرٍ لمسيرة عقودٍ طويلةٍ حَفِلَت بمئات المواقف من كل الأطراف المعنية، وستتعزّز صحة هذا الكلام بشواهدَ جديدةٍ ومفرداتٍ إضافيةٍ بعد صمت المدافع، وربما سيؤمن به حينها من لم يهيئ نفسه لذلك الآن؛ ووقتها سيكون قد فات الأوان.

هذا التقييم خلاصة معركةٍ مستمرةٍ نخوضها على أرض الواقع منذ 43 سنة متتالية مع نظام الولي الفقيه في طهران ومشروعه الفارسي العنصري التوسعي الذي يستخدم شيعة المنطقة بالدرجة الأساس وسواهم ولا يخدمهم، وهي معركة تسمح لنا بأن نعرف جيداً كيف تكون الحروب الحقيقية وكيف تكون المشاغلات المحسوبة والألاعيب المتفق عليها.

باختصارٍ شديدٍ لدينا الآن خندقان، خندق الأمة، عربية وإسلامية، والخندق الفارسي الصهيوني الذي يحيط مشرق الوطن العربي من جانبيه شرقاً وغرباً. وعلى الأحزاب والمنظمات والحركات والهيئات والنخب الفكرية والسياسية والإعلامية والأشخاص في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي أن يصطفّوا في أيِّ خندقٍ يشاءون، وعليهم تحمّل تبعات ذلك الاصطفاف.

وعلى من كان مخدوعاً مضلّلاً بخطاب محور مقاومة سليماني ويدافع عنه، بوضوحٍ أو على استحياء، أن يقدّم اعتذاره الصريح، ومن لا يفعل فهو عنصر مجنّد في الحرس الثوري أو المخابرات الإيرانية، وهو بالتأكيد لن يمتنع عن الدفاع عن هذا المحور حتى لو قاتل أفراده جنباً إلى جنبٍ مع الجندي الصهيوني في فلسطين كما قاتلوا من قبل مع الجندي الأميركي في العراق ورأى ذلك رأي العين.

والله الموفق والمستعان

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى