لجنة العلوم السياسية

متابعات سياسية في شؤون الحرب مع إيران

بقلم أ.د. هاني الحديثي

استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية 

عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية 

6 نيسان 2026

متابعة سياسية لما يظهر في وسائل الإعلام من تصريحات متناقضة، وتحليل مضامينها في محاولة استشراف ما يخفيه الموقف، تؤدي بنا ووفق رأينا إلى الآتي:

أولًا: بين تهديد ترامب بالجحيم على إيران خلال اليومين المقبلين، وتهديد إيران بجحيم مقابل يترك تداعياته الخطيرة أمنيًا واقتصاديًا على مجمل النظام الدولي، تتحرك الرسائل بين أطراف الحرب من خلال أطراف التفاوض في مسعى واضح للتوصل إلى اتفاق خلال هذه الأيام، يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة 45 يومًا قابلة للتمديد، تجري خلالها جولات تفاوضية لإقرار سلام دائم في منطقة الخليج العربي، بما يحقق فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، واستجابة إيران لشروط مقبولة حول برنامجها النووي والصاروخي، ووقف تمددها في بلدان المشرق العربي، وانفتاحها على الاقتصاد العالمي لمساعدتها في إعادة إعمار ما دمرته الحرب.

ثانيًا: إن انتصارًا تاريخيًا حاسمًا لأحد الأطراف يُعد أمرًا مستبعدًا في ظل المعطيات الحالية، حيث يتوفر لدى إيران ما يعرف بالصبر الاستراتيجي في الدفاع عن الأرض، في مقابل عدم قدرة الولايات المتحدة على تحمل أكلاف باهظة تفوق الممكن، الأمر الذي قد يفرض على إدارة ترامب إعادة النظر في أجندتها تجاه إيران.

ثالثًا: في الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة على استمرار الحرب وغياب فرصة الحسم السريع، وما يترتب على ذلك من ارتدادات داخلية على الوضع الاقتصادي، فإن إيران من جهتها تشهد انشطارات حادة في الداخل لأسباب متعددة، من بينها الأوضاع الاقتصادية والرفض الواسع لاستمرار نظام القمع البوهيمي والإرهابي لولاية الفقيه، والتي أدت بدورها إلى اتساع الفجوة بين التيار المتشدد في الحرس الثوري، الذي استبدل قياداته المقتولة بقيادات أشد تطرفًا، وبين التيار الإصلاحي الذي بات متهمًا بالخيانة، كما حصل ويحدث الآن في الاتهامات الموجهة لجواد ظريف وزير الخارجية السابق، والرئيس الإصلاحي السابق روحاني، مع دعوات من الحرس الثوري لإلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم بتهمة الخيانة بسبب طروحاتهم الوسطية لإيقاف الحرب وإيجاد صيغة توافقية لمفاوضات جادة مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي قد ينسحب لاحقًا على الرئيس الحالي بزشكيان وتياره الإصلاحي، ويضعه في موقف حرج ومعقد.

رابعًا: لقد ظهرت صورة إيران، ولاية الفقيه، الحقيقية أمام العرب والبلدان التي تتعرض للعدوان المستمر، ليس فقط من خلال الصواريخ الإيرانية المباشرة، بل أيضًا عبر الأذرع الإيرانية داخل بلدان المشرق العربي، التي لم تميز في استهدافاتها بين قواعد أمريكية، ومنشآت مدنية وطنية، أو حتى المناطق الآهلة بالسكان. إن إيران تؤكد كل يوم أنها نتاج (الأحقاد الفارسية) تجاه العرب، سواء بأفعالها المادية أو عبر أدواتها الإعلامية من داخل إيران أو الإعلام المليشياوي الولائي داخل بلدان المشرق العربي، وأن الدين ولباسه لم يعد كافيًا لإخفاء حقيقتها ودوافعها العنصرية والتوسعية، ومشروعها الموازي للمشروع الصهيوني تجاه بلدان العرب، وهو أمر بات واضحًا إلا لدى بعض من أصابهم العمى العاطفي، كلٌّ لأسبابه.

خامسًا: أكدت عملية إنقاذ الطيار الأمريكي التي نفذتها قوات الكوماندوز الأمريكية قرب أصفهان، أكبر مدن إيران الاستراتيجية في وسط البلاد، وإخفاق قوات الحرس الثوري الإيرانية في كشف موقعه والوصول إليه رغم مرور يومين على هبوطه بالمظلة، فضلًا عن الإخفاق الاستراتيجي في التصدي لقوات الكوماندوز الأمريكية، ما وصفه محللون عسكريون بأنه أكبر إهانة في التاريخ العسكري، وأن النظام الإيراني “نمر من ورق”، وأن الجبروت الذي تظهره قوات الحرس الثوري تجاه انتفاضات الشعوب الإيرانية، واعتمادها على منظومات الصواريخ في مواجهة أعدائها الخارجيين، يشكل اختبارًا جديًا لفرص انهيار النظام الإيراني مستقبلًا بعد توقف الحرب.

ومن وجهة نظري، فإن الإدارتين الأمريكيتين (جو بايدن وترامب) قد أخفقتا في تحقيق التغيير للنظام الإيراني دون الحاجة لهذه الحرب الكارثية على الجميع، وذلك عبر التنصل من دعم أكبر انتفاضتين شعبيتين شهدتهما إيران في عهدهما، إذ كان بالإمكان أن تطيحا بهذا النظام الفاشستي لولا التخلي عن الدعم الموعود، بل إن ذلك أدى إلى إحباط المعارضة الإيرانية نتيجة التخلي عن الوعود المقدمة لها من قبل الإدارة الأمريكية، سواء في تقديم الدعم الإعلامي أو توفير خدمة الإنترنت على الأقل، لكشف المجازر التي ارتكبتها قوى الحرس الثوري بحق عشرات الآلاف من ثوار إيران المدنيين.

نختم بالقول إن اعتماد إيران التكتيكي في إحاطة مجالها الحيوي بميليشيات وأذرع تابعة لها في المشرق العربي (والتي ارتكبت مجازر إبادة جماعية أينما حلت في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن) في تنفيذ أجندتها لإنقاذ النظام، تحت شعارات مزيفة في الصراع مع إسرائيل، ليس إلا أهدافًا دعائية تخفي خلفها صدام المشروعين الفارسي والصهيوني على أرض العرب، وبخاصة بلدان المشرق العربي ذات المشتركات الثقافية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية، والتي تعتبرها القيادات الإيرانية، الشاهنشاهية سابقًا وولاية الفقيه الصفوية حاليًا، منصة للانطلاق نحو عموم العالم العربي.

وفي هذا السياق، تغيب هذه الحقيقة غالبًا عن إدراك الشعوب العربية ومثقفيها في بلاد المغرب العربي، بسبب البعد الجغرافي والثقافي عما يجري في بلدان المشرق العربي، واختلاف الخصوصيات الوطنية، وهو ما ينبغي على النخب والمثقفين العرب إدراكه بوعي عميق، خارج نطاق المواقف العاطفية، وتحت اعتبارات متعددة، منها المصالح السياسية القطرية أو التضامن المذهبي والطائفي، أو ردود الفعل الناتجة عن السياسات العنصرية للكيان الإسرائيلي.

تأسيسًا على ما تقدم، فإن بلدان المشرق العربي تحديدًا مدعوة، بنخبها الوطنية ومدارسها الفكرية وأنظمتها السياسية، إلى اعتماد خارطة طريق واضحة تنجز منظومة إقليمية مشرقية، تضع في أولوياتها الاعتماد المتبادل نحو التكامل في الجوانب الأمنية والاقتصادية والعلمية، لمواجهة المشروعين الخطرين اللذين يحيطان بها من الغرب والشرق.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى