التصدي القضائي للدكة العشائرية

أ.م.د. نورس رشيد طه
الباحث ياسر ليث طلال
كلية الحقوق – جامعة النهرين
المقدمة:
يميل الإنسان بطبيعته إلى الاختلاط مع بني جنسه، و ينشئ عن هذا الاختلاط تجمعات بشرية أصغرها الأسرة ، التي تتكون من أفراد العائلة الواحدة، التي تتضمن الأب والأم والإخوة، وقد تتسع لتشمل الأعمام والأخوال وأبنائهم والأجداد، و أكبرها المجتمع الذي يضم قبائل مختلفة من ناحية العادات والتقاليد والأعراف ، والتي منها ما يكون ايجابياً كمساعدة المحتاج ، و إكرام الضيف ، وإيواء الدخيل ، ومنها ما يكون سلبياً كالغدر ، وقطع الطريق ، والدكة العشائرية التي يدور عنوان مقالتنا حولها .
إذ تمثل ظاهرة الدكة العشائرية بصمة عار في جبين الإنسانية ، وقد استشرت هذه الظاهرة في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي لعام 2003 ، نظراً لتغير النفوس ، وتبدل العادات واختلاطها بالمظاهر و الثقافات السيئة الدخيلة على ثقافة المجتمع العراقي ، وهذا ما دفع القضاء العراقي إلى إيجاد الحل المناسب للتصدي لهذه الظاهرة المستشرية ، بغية سد النقص التشريعي الذي تسيد على المنظومة التشريعية في العراق .
وعلى أساس ما تقدم لابد من بيان مفهوم الدكة العشائرية وموقف القضاء العراقي منها ، وقد خصصنا لذلك المحورين الآتيين :
المحور الأول- التعريف بالدكة العشائرية :
إن مصطلح الدكة العشائرية، يتكون من كلمتين (دك) و(العشيرة)، فتعرف كلمة دك لغةً: دك – يدك دكاً، دك الشيء: دقه، ودك البناء: هدمه، ودك الأرض: سوى صعودها وهبوطها، ودك البئر: دفنها وطمها ([1]).
أما كلمة العشيرة فتعرف لغة بأنها :عشيرة الرجل: بنو أبيه الأقربون وقبيلته، وقد ذكرت في التنزيل العزيز في قوله تعالى:((وأنذر عشيرتك الأقربين)) ([2]). والجمع عشائر ([3]).
وهناك من يعرف الدكة العشائرية اصطلاحاً بأنها : ((بأنها إنذار شديد اللهجة لدفع العشيرة المستهدفة للجلوس والتفاوض وتسوية الخلاف وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف، تتفاقم الأمور لتؤدي إلى وقوع اشتباك، مما قد يؤدي إلى سقوط ضحايا من الطرفين)) ([4]). ويمكن تعريفها بأنها : تحذير أو تهديد موجه ضد الشخص المطلوب وأهله للحضور إلى مضارب العشيرة صاحبة الحق ، لعقد اجتماع بينها وبين عشيرة الشخص المطلوب لإجبارها على دفع الدية ، أو مبلغ التعويض المحدد من العشيرة صاحبة ، أو لتبليغها بتنفيذ القصاص بحق الشخص المعتدي .
وعلى أساس ما تقدم تعد الدكة العشائرية ظاهرة غير حضارية ومخالفة لأحكام القانون ، لأن مقيمها قد تجاوز دور الدولة في تنفيذ العقوبة المناسبة بحق ، ورفع صوته على صوت العدالة الجنائية ، و ألغى دور القضاء في تنصيب ميزان الحق للحكم بعدالة و إنصاف بوجه المخالف لأحكام القانون .
المحور الثاني: موقف القضاء العراقي من الدكة العشائرية :
تردد القضاء العراقي في حسم اعتداء الدكة العشائرية ما بين تطبيق أحكام قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969) وأحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005)، نظراً لعدم وجود نص قانوني صريح يعاقب على هذا الاعتداء الخطير، فتارة يكيف الاعتداء وفق مواد التهديد (430 – 432) الواردة في قانون العقوبات المذكور آنفاً وتارة أخرى يكيف السلوك وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005) .
وقد نصت المادة ( 430) فقرة (1) من قانون العقوبات المذكور آنفاً على:((يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس كل من هدد آخر بارتكاب جناية ضد نفسه أو ماله أو ضد نفس أو مال غيره أو بإسناد أمور مخدشة بالشرف أو افشائها وكان ذلك مصحوبا بطلب أو بتكليف بأمر أو الامتناع عن فعل أو مقصودا به ذلك)) وبهذا النص عالج المشرع العراقي التهديد الجسيم .
ونصت المادة (431) من القانون ذاته على: ((يعاقب بالحبس كل من هدد آخر بارتكاب جناية ضد نفسه أو ماله أو ضد نفس أو مال غيره أو بإسناد أمور مخدشة بالشرف أو الاعتبار أو افشائها بغير الحالات المبينة في المادة 430)) وقد نظم المشرع العراقي بهذا النص التهديد المتوسط الذي لا يصل جسامة التهديد الوارد في المادة السابقة.
ونصت المادة (432) من القانون ذاته على : ((كل من هدد آخر بالقول أو الفعل أو الإشارة كتابة أو شفاها أو بواسطة شخص آخر في غير الحالات المبينة في المادتين 430 و 431 يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار))([5]) وبهذا النص نظم المشرع العراقي صورة التهديد البسيط غير الشامل للحالات الواردة في نصي المادتين السابقين ، وبتقديرنا أن الأثر السلبي الناجم عن اعتداء الدكة العشائرية يمكن أن يندرج ضمن أحدى صور التهديد الواردة آنفاً .
أما المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005) فقد نصت على : ((1 – يعاقب بالإعدام كل من ارتكب – بصفته فاعلاً اصلياً أو شريكاً عمل أياً من الاعمال الارهابية الواردة بالمادة الثانية والثالثة من هذا القانون، يعاقب المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الارهابيين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الأصلي .
2 – يعاقب بالسجن المؤبد من أخفى عن عمد أي عمل إرهابي أو أوى شخص إرهابي بهدف التستر)) ([6]).
وهنا يجدر القول أن للمحكمة الأخذ بتطبيق الظروف القضائية المخففة على مرتكبي اعتداء الدكة العشائرية بالاستناد الى مواد قانون العقوبات العراقي في هذا الشأن، بدلالة المادة (6) فقرة (3) من قانون مكافحة الإرهاب، حيث تنص على ((تطبق احكام قانون العقوبات النافذ بكل ما لم يرد به نص)).
بعد إن بينا المواد التي يكيف القضاء العراقي اعتداء الدكة العشائرية في ضوئها ، فقد جاء الدور لبيان أصدر مجلس القضاء العراقي سنة (2023) أعماماً و ألحقه بإعمام آخر سنة (2025) لمكافحة ظاهرة الدكة العشائرية ، والذي مفاده : إن مجلس القضاء الأعلى ينظر إلى خطورة اعتداء الدكة العشائرية وما ينتج عنه من آثار مقاربة للآثار التي يحدثها الارهابيون في نفوس الأهالي والسكان المدنيين، ما يستلزم ذلك ادراج اعتداء (الدكة العشائرية) ضمن الاعتداءات الإرهابية التي تُطبَّق عليها أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005) ، ولا يمكن تبديل وصفها حتى لو حصل صلح عشائري بخصوصها .
وعلى ضوء ما تقدم نختتم مقالتنا بمجموعة من الاستنتاجات والمقترحات على نحو الفقرتين الآتيتين :
أولاً -الاستنتاجات :
- أن السطو المسلح العشائري انتقل من تكييفه اعتداءً عادياً يخضع لأحكام قانون العقوبات العراقي إلى اعتداءٍ إرهابي يخضع لأحكام قانون مكافحة الإرهاب.
- أن المعيار الذي كان يفصل بين تطبيق قانون العقوبات ،وقانون مكافحة الإرهاب، يكمن في الوسيلة المستخدمة (السلاح) في تنفيذ اعتداء الدكة العشائرية (إطلاق الرصاص من عدمه ) ، ونية مرتكب الاعتداء (هل كانت متجهة لإرهاب الأفراد أم لتهديدهم).
- أن الحزم القضائي وتوجيهات مجلس القضاء الأعلى في جعل اعتداء الدكة العشائرية ، اعتداءً إرهابياً هو الذي حقق الردع العام في المجتمع، في حين عجزت نصوص التهديد الواردة في قانون العقوبات العراقي النافذ عن ذلك.
- أن الفوارق بين مصطلحي المجرم والمدان، تترتب عليها آثار قانونية مهمة، من حيث شمول الثاني (المدان) في قانون العفو العام دون الأول (المجرم) ، أذ يعد مرتكب اعتداء الدكة العشائرية مجرماً وليس مداناً ، وفقاً لنصوص قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005) (المعدل) .
ثانياً-المقترحات :
- نقترح على مجلس النواب تعديل قانون العقوبات العراقي ، أو قانون مكافحة الارهاب، لإضافة نصوص خاصة بتجريم اعتداء الدكة العشائرية ، والعقاب عليه استناداً لمبدأ الشرعية الجزائية .
- نوصي الحكومة بدعم مجلس القضاء الأعلى في توجهه، و نوصي مجلس القضاء الأعلى بالثبات على موقفه الصارم ، وعدم التساهل مع مرتكبي اعتداء الدكة العشائرية ، من خلال عدم قبول الصلح معم أو الصفح عنهم حتى لو كان هناك صلحاً عشائرياً ؛ لأن هذا الصلح لا يخفف وطأة الاعتداء على نفس المعتدى عليه ( المشتكي ) .
- نوصي الجهات المختصة بحفظ النظام بزيادة الوعي المجتمعي تجاه ظاهرة الدكة العشائرية ، فضلاً عن توحيد الجهود الأمنية ، والإعلامية ، والقضائية في التصدي لها ومنع ارتكابها مستقبلاً .
- ندعو عشائرنا الكريمة ممثلةً بشيوخها الأجلاء، إلى وضع أيديهم بيد الدولة، و العمل على فصل كل فرد متمرد على أحكام القانون أو التعليمات أو الأنظمة أو الضوابط القانونية من العشيرة ، حتى لا تسول له نفسه افتعال الفوضى ، و إثارة المشاكل بحجة أن لديه عشيرة تحميه و تأويه حتى لو كان معتدياً على حقوق الغير .
- نوصي الحكومة العراقية بالوقوف إلى جانب العشائر لحمايتها، وبسط الأمن في مناطقها، والعمل على حصر السلاح بيد الدولة، من أجل التصدي لظاهرة الدكة العشائرية ، و منع مرتكبيها من الهرب .
[1]-جيران مسعود، معجم الرائد، بيروت: دار العلم للملايين، مادة (د ك ك)، ص 362.
[2]– سورة الشعراء، الآية 214.
[3]– مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط (ط – ي)، الطبعة الخامسة، مادة (عشر)، ص 949.
[4]– مصطفى فاطمي نيا، سجاد ثامر مكبس نشمي ، عادة الدكة العشائرية في المجتمع العراقي ، دراسة مقارنة بين القانون العراقي والفقه الإسلامي ، مجلة الجامعة العراقية، المجلد (74)، العدد (5)، أيلول 2025، ص 931.
[5] -تم تعديل الغرامات بموجب قانون تعديل الغرامات رقم ( 6 ) لسنة 2008 (المعدل) ، والتي نصت على ما يأتي: ((يكون مقدار الغرامات المنصوص عليها في قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ المعدل كالآتي:
أ) في المخالفات مبلغاً لا يقل عن (٥٠٠٠٠) خمسون ألف دينار ولا يزيد علـى (٢٠٠٠٠٠) مئتـي ألـف دينـار.
ب) في الجنح مبلغاً لا يقل عن (٢٠٠٠٠١) مئتي ألف دينار وواحد ولا يزيد عـن (١٠٠٠٠٠٠) مليـون دينـار.
جـ) في الجنايات مبلغاً لا يقل عن (١٠٠٠٠٠١) مليون وواحد دينار ولا يزيد عن (10.000.001) عشرة ملايين دينار)).
[6]– تلاحظ المادة الرابعة، قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة (2005).



