لجنة العلوم السياسية

الأزمة الإيرانية الراهنة: دولة بين ضغط الداخل وتحديات الخارج

بقلم الدكتور عبدالوهاب القصاب

العضو المؤسس ورئيس لجنة العلوم السياسية في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

تعيش إيران اليوم لحظة شديدة الحساسية في تاريخها المعاصر؛ لحظة تتداخل فيها أزمات الداخل مع ارتدادات الإقليم، وتتعانق فيها الضغوط الاقتصادية مع حسابات الأمن القومي، في مشهد يكاد يختصر أربعين عاماً من التوتر المزمن بين الثورة والدولة، بين الإيديولوجيا ومتطلبات الحياة اليومية. ليست الأزمة الراهنة حدثاً مفاجئاً، بل هي نتيجة تراكم طويل لعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية، لكنها اليوم تبدو أكثر وضوحاً وحدةً من أي وقت مضى.

أولاً: مأزق الاقتصاد… العقوبات والاختلالات البنيوية
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أعادت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك Donald Trump فرض عقوبات قاسية على طهران، استهدفت قطاع النفط والبنوك والتحويلات المالية.

ترتب على ذلك تراجع حاد في عائدات النفط، وهو الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني. ومع أن إيران حاولت الالتفاف على العقوبات عبر قنوات تجارية بديلة وتوسيع علاقاتها مع آسيا، فإن أثر العقوبات ظل عميقاً.

لكن الأزمة الاقتصادية لا يمكن اختزالها في العقوبات وحدها. فثمة مشكلات هيكلية متجذرة: تضخم مرتفع، بطالة بين الشباب، تراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع الفجوة بين الطبقات. الاقتصاد الإيراني يعاني أيضاً من تغوّل القطاع شبه الحكومي، حيث تلعب مؤسسات دينية وعسكرية دوراً اقتصادياً واسعاً، ما يحدّ من تنافسية السوق ويضعف الشفافية. النتيجة أن المواطن الإيراني العادي يجد نفسه أمام أسعار ترتفع باستمرار، ودخل ثابت أو متآكل، وفرص عمل محدودة.

في المدن الكبرى، باتت الطبقة الوسطى – التي شكلت تاريخياً عنصر توازن واستقرار – أكثر هشاشة. ومع كل موجة ارتفاع في الأسعار، تتجدد موجات الاحتجاج، ما يعكس هشاشة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

ثانياً: الاحتجاجات والتحولات الاجتماعية
شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الاحتجاجات، كان أبرزها تلك التي اندلعت بعد وفاة الشابة Mahsa Amini عام 2022 أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق. تحولت تلك الحادثة إلى رمز لغضب اجتماعي عميق، يتجاوز مسألة الحجاب إلى أسئلة أوسع حول الحريات العامة ودور الدولة في حياة الأفراد.

اللافت في الاحتجاجات الأخيرة أنها لم تكن محصورة بطبقة اجتماعية معينة، بل شملت شرائح مختلفة: طلاب، نساء، عمال، وحتى بعض الفئات المحافظة. كما اتسمت بجرأة أكبر في انتقاد النظام السياسي ذاته، لا مجرد السياسات الحكومية. ورغم أن الدولة تمكنت من احتواء هذه الموجات أمنياً، فإن جذور السخط لم تُقتلع، بل بقيت كامنة تنتظر محفزاً جديداً.

إيران مجتمع شاب؛ نسبة كبيرة من سكانها دون سن الثلاثين، وهذه الفئة أكثر انفتاحاً على العالم عبر الإنترنت، وأكثر حساسية تجاه القيود الاجتماعية. ومع اتساع الفجوة بين خطاب الدولة الثوري ومتطلبات جيل جديد يطمح إلى حياة أكثر حرية واندماجاً عالمياً، تتعمق الهوة الثقافية بين الحاكم والمحكوم.

ثالثاً: إشكالية الشرعية والانتقال السياسي
يمر النظام الإيراني أيضاً بمرحلة دقيقة على مستوى الشرعية السياسية. فالمشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت متدنية نسبياً، ما يعكس حالة عزوف أو إحباط سياسي. ويزداد هذا المشهد تعقيداً في ظل تقدم المرشد الأعلى علي خامنئي في السن، ما يفتح باب التساؤلات حول مرحلة ما بعده. وقد بدأت بوادر بحث الشباب الايراني المنتفض عن نظام بديل لنظام المعممين المتخلفين الذي يجثم على صدر الايرانيين منذ عام ١٩٧٩ بعد سرقة الخميني للثورة التي اطاحت بالشاه
الانتقال السياسي في إيران ليس مسألة إجرائية فحسب، بل هو مرتبط بتوازنات دقيقة بين التيارات المحافظة والإصلاحية، وبين تيار الشباب المنتفض وبين المؤسسة الدينية والحرس الثوري، وبين الداخل وضغوط الخارج. أي اهتزاز في هذا التوازن قد يفتح المجال لصراعات داخل النخبة، خصوصاً إذا تزامن مع أزمة اقتصادية خانقة أو تصعيد خارجي. واني لأرى ان الصراع الداخلي قد بدأ بالفعل مدفوعاً بانهيار سعر الصرف وتهاوي القاعدة الاقتصادية والخسارة الجسيمة التي احاقت بالنظام بعد حرب الاثني عشر يوما التي دمرت عناصر القوة الشاملة التي يتوفر عليها النظام وتركته فعليا بلا اية قدرات سوى الجعجعة الفارغة التي تعودنا عليها وابتزازه للوضع الحالي في العراق الذي لازالت ايران تهيمن عليه.

رابعاً: البعد الإقليمي… نفوذ مكلف
على الصعيد الإقليمي، بنت إيران شبكة نفوذ واسعة خلال العقدين الماضيين، تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. هذا التمدد عزز موقعها التفاوضي وأمّن لها أوراق ضغط في مواجهة خصومها، لكنه في الوقت ذاته حمّلها أعباء مالية وسياسية.

في العراق ولبنان وسوريا قبل التحرير، بل وحتى اليمن تتداخل المصالح الإيرانية مع تعقيدات محلية شديدة. ومع كل توتر إقليمي – سواء في الخليج أو على الجبهة الإسرائيلية – ترتفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. هذا الوضع يضع إيران في معادلة دقيقة: كيف تحافظ على نفوذها دون أن تنزلق إلى حرب شاملة تستنزفها أكثر؟

خامساً: الملف النووي… بين الردع والمساومة
يبقى البرنامج النووي الإيراني محور الأزمة مع الغرب. فبعد تعثر المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي، وسّعت إيران أنشطتها النووية، ما أثار قلقاً دولياً متجدداً. ترى طهران في البرنامج النووي ورقة ردع وضمانة أمنية في بيئة إقليمية مضطربة، بينما ترى فيه القوى الغربية تهديداً لتوازن القوى ومنظومة عدم الانتشار.

المعضلة هنا أن أي تصعيد في الملف النووي قد يقود إلى عقوبات أشد أو حتى ضربات عسكرية محدودة، في حين أن أي تنازل كبير قد يُفسَّر داخلياً بوصفه تراجعاً عن مبادئ الثورة. وهكذا تجد القيادة الإيرانية نفسها بين مطرقة الداخل وسندان الخارج.

سادساً: محاولات كسر العزلة
في مواجهة الضغوط الغربية، سعت إيران إلى تنويع تحالفاتها. عززت علاقاتها مع الصين وروسيا، وانضمت إلى تكتلات إقليمية واقتصادية جديدة. كما شهدت المنطقة انفراجاً نسبياً في علاقاتها مع بعض الدول العربية، ما يعكس براغماتية سياسية تسعى إلى تخفيف حدة الاستقطاب.

غير أن هذه التحركات، رغم أهميتها، لا تعوّض بالكامل عن خسائر السوق الغربية ولا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية الداخلية. فهي توفر متنفساً، لكنها لا تشكل حلاً شاملاً.

سابعاً: المجتمع بين الصمود والتآكل
رغم كل الضغوط، لا يمكن تجاهل عنصر الصمود في المجتمع الإيراني. فإيران تمتلك قاعدة علمية وصناعية معتبرة، وطبقة متعلمة واسعة، وخبرة طويلة في التكيف مع العقوبات. غير أن الصمود شيء، والازدهار شيء آخر. استمرار الوضع الراهن قد لا يؤدي إلى انهيار وشيك، لكنه قد يفضي إلى تآكل بطيء في الثقة والمؤسسات.

التاريخ الإيراني يُظهر قدرة على التحول حين تصل الضغوط إلى ذروتها. لكن شكل هذا التحول – إصلاحي تدريجي أم صدامي مفاجئ – يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة.

خاتمة: بين مفترق طرق
الأزمة الإيرانية الراهنة ليست أزمة عابرة، بل هي مفترق طرق. أمام إيران ثلاث مسارات محتملة:
1. إعادة تموضع براغماتي يخفف التوتر مع الخارج ويطلق إصلاحات اقتصادية داخلية.
2. استمرار النهج الحالي مع إدارة الأزمات دون حل جذري، ما يعني بقاء التوتر منخفض الحدة.
3. تصعيد داخلي أو خارجي قد يفتح الباب لتحولات غير محسوبة.

في النهاية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدولة على تجديد عقدها الاجتماعي مع شعبها، وعلى المواءمة بين هويتها الثورية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود أمام العواصف، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة البناء.

وإيران اليوم تقف أمام سؤال تاريخي: هل تكتفي بإدارة أزمتها، أم تتجه إلى إعادة تعريف ذاتها في عالم يتغير بسرعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى