اللجنة الاقتصادية

العوامل التي تؤثر على تذبذب سعر الدينار العراقي إزاء الدولار وآثارها

✍ بقلم: البروفيسور الدكتور سعد محمد عثمان
الأمين العام للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات

من البديهيات في علم الاقتصاد أن أي عملة هي مخزن للقيمة ووسيلة للتبادل، مهما كان شكل العملة ورقية أو معدنية أو من الأدوات البنكية.

هناك عوامل تترجم وضع الاقتصاد من خلال آليات سعر صرف العملة إزاء العملات العالمية، وخاصة الدولار، واليورو، والين، واليوان، والجنيه الإسترليني. فهناك أساليب معتمدة لدى البنوك المركزية لتحديد سعر الصرف بدقة؛ فإما سعر صرف ثابت كما هو الحال في دول الخليج والأردن وغيرهم، وأما سعر صرف عائم كما هو الحال مع الليرة التركية والجنيه المصري، فالسوق هو الذي يحدد قيمة العملة الوطنية إزاء العملات الصعبة.

في العراق هناك آلية مزدوجة تجمع بين سعر ثابت قرره البنك المركزي وسعر السوق الذي يخضع لعوامل عديدة يمكن تلخيصها بالآتي:

1- عدم قدرة البنك المركزي على تغطية احتياجات السوق المحلية من الدولار بشكل متوازن.

2- الفساد الإداري باعتماد أساليب غير مشروعة في منح رخص الاتجار بالدولار لعدد معين من المصارف أو مكاتب التحويل وفقًا لتأثيرها السياسي، مما يمنحها فرصة تغطية الفجوة بين السعر الذي يباع لهم في البنك المركزي والسعر المعتمد في السوق الحر، وبذلك يحققون هامش ربح على كل دولار يصل إلى حدود 200 دينار، ومعروف ما هي الجهات المستفيدة من هذه العملية وبالنسبة الأكبر.

3- ما زال النظام المصرفي العراقي، رغم مرور أكثر من 23 عامًا من تغيير فلسفة الاقتصاد، نظامًا متخلفًا في المعاملات المصرفية، رغم تأشير بعض التحسن بعد ضغوط الفدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة الأمريكية، وتفعيل نظم رقابة دولية على المعاملات المصرفية.

4- عدم ثقة المواطن العراقي بالمصارف العراقية في عمليات الإيداع والسحب والادخار، بحيث تقدر بعض الأوساط حجم السيولة المخزنة لدى الأفراد بحدود 80% من إجمالي عرض النقد، يعتمدونها في معاملاتهم اليومية أو للاحتياط لعدم ثقتهم بالمستقبل.

5- عدم الاستقرار السياسي وطبيعة تركيبة السلطة وهيمنة أحزاب متنفذة على مقدرات البلد الاقتصادية، وانتشار الفساد الإداري، مما يجعل الريبة والشك مزروعة في طريقة تعامل الجمهور مع البنوك.

6 – التجارب الشخصية والقصص التي تروى عن عدم الثقة بالمستقبل نتيجة للأحداث التي مر بها العراق من حروب وأعمال عنف وغش واستحواذ واستخدام للأموال بعيدًا عن المعايير البنكية الآمنة.

7 – تهريب الدولار إلى خارج البلد لأغراض سياسية أو غسيل الأموال، وهذا ما تتحدث عنه الأوساط العالمية منذ فترة.

تجارة العملة الصعبة أصبحت مصدر الثروة للكثير من الذين يحظون بالسطوة والسلطة، وهم قادرون على التحكم بسعر صرف الدولار من خلال التلاعب بسعر الدولار بالعرض والطلب، والإخلال بالقيمة التوازنية للدينار العراقي، رغم عدم وجود أي إجراءات لحد الآن حول انسيابية العملة الصعبة من عوائد النفط التي تمول أكثر من 90% من احتياجات العراق.

08 الهلع النفسي عامل من عوامل ارتفاع أسعار الدولار في السوق العراقية، وزيادة الطلب تدفع إلى ارتفاع سعر الدولار كلما فقد الإنسان الاطمئنان، وخاصة المتعاملين بالسوق، ومع التوتر بين أمريكا وإيران تزداد المخاوف من احتمال انجرار العراق للصراع.

بموجب كل هذه العوامل، هل هناك إمكانية لإعادة الاستقرار لسعر الدينار إزاء الدولار؟

الجواب: إذا استمرت الظروف كما هي، فكل العوامل ستؤدي إلى ارتفاع مطرد في سعر الدولار مقابل الدينار، ربما بوتيرة أسرع، إلا إذا قام البنك المركزي بالتدخل بضخ جزء من احتياطاته في السوق بحد معقول. أما إذا كان التصرف بالاحتياطي لأجل طويل، فإن ذلك سيؤثر على قيمة الدينار سلبًا.

ومن الجدير بالذكر أن البنك المركزي العراقي يخضع لرقابة ومسائلة كبيرة من الفدرالي الأمريكي ومن المؤسسات الدولية منذ فترة، ولا يملك كل الصلاحيات التي تمكنه من السيطرة على تداول النقد.

إن سرعة تداول النقد في العراق تقلل من قيمة الدينار بسبب أن القدرة الشرائية في العراق، بعد ارتفاع أسعار السلع والخدمات والرسوم، تقل يومًا بعد يوم. ومما يزيد من ذلك سوء توزيع الدخل وتركز الثروة في شرائح محددة، أما أغلب الشعب فيقترب من خط الفقر لأسباب عديدة لم تعد خافية، أولها البطالة وارتفاع كلفة المعيشة وعدم وجود نظام تأمينات اجتماعية عادل.

لذا فإن انخفاض سعر العملة ليس مؤشرًا سلبيًا لو كان البلد منتجًا وله هيكل إنتاج متوازن أو متطور بهدف زيادة الصادرات، كما هو الحال مع الصين التي ترفض رفع قيمة اليوان.

لكن في حالة العراق، فإن 90% من احتياجاته يتم استيرادها، وليس له هيكل إنتاج بديل عن النفط لحد الآن، لذا فإن احتمالات استقرار سعر الدولار منخفضة في السوق العراقية، ومع ما يشاع عن وجود أزمة مالية في العراق وعجز الحكومة عن تغطية الرواتب والأجور لأكثر من 8 مليون موظف ومتقاعد، إن كانت صحيحة، فالأمور تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى