الذكاء الاصطناعي ومكافحة الجريمة

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
يُلاحظ أن الذكاء الاصطناعي هو أحد التقنيات الحديثة التي أصبحت عنصرًا أساسيًا وجوهريًا من عناصر التكنولوجيا الأمنية الحديثة، التي يتم استثمارها في محاور عدة، منها إلقاء القبض على المتهمين الهاربين والخارجين على القانون. ويُعد هذا الذكاء عنصرًا هامًا للمساعدة في الكشف عن الجريمة ومكافحتها والتصدي لها قبل وقوعها، من خلال المواقع الفنية والتقنية التي تنشئها الدول، والتي تضم عناصر أمنية وخبراء بكفاءة عالية.
ويتحرك الذكاء الاصطناعي لضبط الأمن ومكافحة الإرهاب والجرائم من خلال تحليل سلوك المشتبه بهم بالرجوع إلى البيانات المخزونة وبصمات الجرائم، ومتابعة الكاميرات وتشخيص الوجوه بدقة عالية. كما يُعتبر الذكاء من أهم أدوات الوزارات الأمنية والاستخبارية في الكشف عن الجريمة أو التنبؤ بوقوعها نتيجة تحليل البيانات وتحديد المناطق المرشحة والمؤهلة أو المتكررة. كما أن الأجهزة المتخصصة في التحري والتقصي تتمكن من الاستفادة من الذكاء باستخدام أنظمته ودمجها مع المنظومات الأمنية المتشابهة وتحليل بياناتها في وقت قياسي.
ويُستخدم الذكاء الاصطناعي لتنسيق المعلومات من عدة قضايا مختلفة، مما يفتح للمحقق أبواب الوصول إلى الأدلة المقنعة لأركان الجريمة وعناصرها، والتي يصعب على الذكاء البشري الوصول إليها واستمرار تعقبها. والملفت للنظر أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة لا يمكن الاستغناء عنها لملاحقة مختلف الجرائم، وبالذات الإرهاب والاحتيال والمخدرات والمخلة بالآداب وغيرها.
وهناك عدد من الجرائم يمكن للذكاء الكشف عنها بسرعة، ومنها الهجمات الرقمية والسرقة الإلكترونية باستعمال خوارزميات ذات كفاءة عالية وذكية تقوم بواجبات التعرف على الوجوه وتحليل الصور. ويمكنها تعقب المجرمين والمشتبه بهم بدقة متناهية حتى في حالة التنكر بتغيير ملامحهم، كما تساهم هذه التقنيات في فحص تسجيلات كاميرات المراقبة والترصد وتحليلها بسرعة فائقة للتعقب وملاحقة الهاربين.
وتُبرمج هذه التقنيات لمنح إشارات فورية عند وقوع حالات وحوادث معينة أو اكتشاف حالات غير مألوفة في مناطق محددة ومختلفة. ويساعد الذكاء الاصطناعي في زيادة ضبط معدلات الجرائم كالترويج للمخدرات والأفعال المخالفة للآداب، ويؤدي الذكاء دورًا في تحجيم الكثير من الجرائم المعقدة التي تؤدي إلى تجنيد الشباب والمراهقين واستدراجهم لارتكاب جرائم بتأثير وتوجيه آخرين عتاة ومجرمين. كما يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فتح الشفرات وتحليل البصمات وفرز وتدقيق الهويات للتعرف على المجرمين.
إن برامج وخوارزميات هذا الذكاء تسهم في رفع جودة العمليات الأمنية والاستخبارية التي تسهم في مكافحة الجريمة والتصدي لها والقبض على الهاربين من ذوي السوابق في عالم الإجرام. وهذا هو الجزء اليسير من فوائد وعطاء ومنافع الذكاء الاصطناعي وحصاده في مكافحة الجريمة، قبل الشروع فيها أو بعد تنفيذها.
وفي العراق، ومنذ شهر تموز عام (2024)، تم وضع خطة إستراتيجية لترسيخ مفاهيم هذا الذكاء، وفي عام (2025) شهدت خطوات عملية، وفي البداية تم افتتاح كلية هندسة الذكاء الاصطناعي ومنظومة التنبؤ التي تعتمد على تقنيات وتطبيقات ذكية، واستخدمت البرمجيات التنبؤية المتطورة في مناحي الحياة كافة. وسعى العراق إلى تطوير وتحديث أجهزة العدالة الجنائية بما ينسجم والتحولات المتسارعة في عالم الجريمة، وتفعيل مكونات هذا الذكاء وتجنيدها في مطاردة الجريمة حفاظًا على أمن وسلامة المجتمع.
وأخيرًا، نقترح على وزارة الداخلية إقامة دورات في مجال الذكاء الاصطناعي للمحققين من ضباط الشرطة، وكذلك الحال بالنسبة للأجهزة الأمنية الأخرى، وإضافة فقرة إضافية لشروط القبول بأن يكون المتقدم يمتلك معلومات أولية ومقبولة عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث والتحري.



