تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية على مستقبل العلاقات العربية -العربية

بقلم أ.د. هاني الحديثي
استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية.
محور في ندوة تأثير الطاقة في العلاقات الدولية -المعهد العالمي لتجديد الفكر العربي – بتاريخ
25.01.2026
تشهد مناطق العالم العربي تأثرا حادا في متغيرات البيئة الاقليمية والدولية يهدد مستقبل النظام العربي.
ومع طبيعة هذه المتغيرات المتسارعة فان منهج الاستشراف للمستقبل يبدو صعبا استخدامه.
لقد انتقل النظام الدولي اثر الحروب العالمية من نظام توازن القوى إلى النظام ثنائي القطبية لينتهي بنظام
القطب الواحد اثر انهيار الاتحاد السوفيتي عقد التسعينات ، وبين 1991-2026 صعدت قوى كالصين
متضامنة مع روسيا فضلا عن قوى كبرى كالهند وغيرها لتنضوي ضمن منظمة بريسك الاقتصادية لتبدأ
مسارا اقتصاديا يتجه نحو تشكيل قطب آخر منافس للولايات المتحدة قائدة الغرب حتى ذهب اصحاب المنهج
الاستشرافي للبناء على معطيات التغير هذا نحو الاعتقاد ان العالم يتجه نحو تعددية قطبية بناءا على ما
تشكله الصين من تنافس تقني واقتصادي وعسكري جدي مع الولايات المتحدة الأمر الذي قاد نحو التنافس
على الممرات الدولية ومستقبل الطاقة .
إلا ان ادارة ترامب سارعت نحو الالتفاف على الخرائط الاستراتيجية للصين بخرائط اخرى ،وبدلا من
طريق الحرير الاستراتيجي (الطوق والطريق) الصيني ظهر طريق آخر بإرادة أمريكية هو طريق الهند-
الإمارات -اسرائيل مترافقا مع التوقيع على طريق وتشغيل ممر زانجزور، أو «طريق ترامب للسلام
والازدهار الدوليين» الذي يمتد من تركيا إلى باكو عاصمة أذربيجان مروراً بإقليم ناخيتشيفان وجنوب
أرمينيا في مرحلته الأولى، والأساسية، ومن ثمَّ يصل إلى غالبية دول وسط آسيا من الشرق، وإلى أوروبا
من الغرب.
(ان هذا الطريق الاستراتيجي يشكل طريقا متقاطعا مع كل من الصين وروسيا التي تلقت ضمانات أمنية
وسياسية بأن لا يكون له مفاعيل سياسية وأمنية تؤثر عليها، وقد يحصل بعض التعاون بين مسارات الطريق
ووسائل الإمداد الروسي إلى الجنوب وإلى غرب آسيا. بينما إيران عبَّرت عن مخاوفها من المشروع، لأنه
سيكون سبباً لوصول قوات أجنبية إلى حدودها الشمالية) كما قالت الأمر الذي دفعها نحو عقد اتفاقيات
استراتيجية مع ارمينيا يمنع تشكيله حاجزاً يفصلها عن جيرانها في الشمال. أما الصين، فإنها ليست مرتاحة
للممر بطبيعة الحال، وتعرف أنه يقوِّض من حركية خطة الحزام والطريق التي أطلقتها في عام 2013.
ليظهر الرئيس ترامب في قمة دافوس الأخير بمشروع سياسي دولي تحت مبدأ مجلس السلام العالمي تحت
رئاسته مواز و يحد من فعالية الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي ومجمل القانون الدولي والمنظومات
الاقليمية المتفرعة عنه.
في ضوء ذلك يبرز السؤال: اين موقع العالم العربي من هذه المتغيرات المتسارعة؟
لا شك ان الوطن العربي يشكل عقدة جيواستراتيجية بين الشرق والغرب فضلا عن تشكيله موقعا استراتيجيا
في مجال الطاقة من حيث الانتاج والتصدير ليضيف بذلك أهمية كبرى في الإشراف على ممرات الملاحة
الدولية.
بيد ان الموقف يعتمد على ثلاثة أعمدة اساسية للتأثير؛ الموارد والممرات والقدرة.
إذا كان العالم العربي يمتلك العمودين الأساسيين الاول والثاني فانه وبحكم المعطيات يفتقد للمرتكز الأساسي
وهو القدرة على اتخاذ القرار كونه يفتقد المشروع العربي ويفتقد البوصلة التي تقوده.
الأخطر من ذلك ان فقدان الشعور بالأمن القومي بسبب تراجع مؤسسات الامن العربية أدى إلى التوجه نحو
سياسة المعاهدات الاستراتيجية مع بلدان غير عربية مثل السعودية والباكستان وتركيا في مواجهة دولة
الإمارات العربية واتفاقها الاستراتيجي مع الهند واسرائيل.
يضاف لذلك الاعتماد الكبير للمغرب العربي على فرنسا في مواجهة الجزائر وروسيا في مقاصدها المختلفة
اتجاه قضية الصحراء الغربية .
يتفاعل الأمر مع تبعية مؤكدة لكل من العراق وسوريا لكل من ايران وتركيا وتصاعد النزاعات المناطقية
والمذهبية والقبلية في كل من اليمن والسودان وليبيا فضلا عما يشهده لبنان من تطورات تشي وتهدد
بحروب داخلية لصالح ايران وفق ما عبر عنه صراحة رئيس حزب الله نعيم قاسم حين اكد ان اي حرب
جديدة على ايران ستشعل المنطقة كلها ، والتداعيات الخطيرة التي نتجت في فلسطين عن قرار حماس في
السابع من اكتوبر وازمة (الطوفان)الذي رتب طوفان مقابل ومعاكس تماما مكن الولايات المتحدة وحلفائها
من فرض مشروعهم في غزة وعموم فلسطين وما يعنيه ذلك من هيمنة على بحر الغاز المواجه لسواحل
غزة واسرائيل وصولا الى سوريا ولبنان .
تأسيسا على ما تقدم وفي ظل ضعف مؤسسة جامعة الدول العربية وظاهرة الصراعات العربية-العربية
وظهور قوى موازية للدولة المتهاوية في عدد من البلدان العربية والتي تتمتع بقدرات عسكرية وموقع اتخاذ
القرار السياسي المهيمن كما هو شأن القوى المسلحة والفصائل في العراق ولبنان واليمن وسوريا والسودان
وليبيا وغيرها ،
فان الوضع يصبح هشا وقابلا للتغير الداخلي بما ينبىء بخرائط جديدة للنفوذ الأمريكي خاصة غير خرائط
سايكس بيكو .
ان ذلك يهدد بالأساس ليس جامعة البلدان العربية حسب انما منظومات التعاون الاقليمي الفرعية مثل
مجلس التعاون الخليجي الذي يشهد الان استقطابات اقليمية متناقضة كما اشرنا سلفا لبعض بلدانه .
وفق ذلك فان العالم العربي في ظل غياب المشروع العربي وتقدم الهيمنة الأمريكية عليه يجد نفسه امام قوى
اقليمية ليس من مصلحتها وجود عالم عربي بمشروع عربي يمكن ان يفرض ارادته ومصالح شعوبه على
محيطه الاقليمي والدولي بدلالة غياب اي مشروع للتكامل الطاقوي بين البلدان العربية واعتماد بعظها على
استيراد الطاقة من بلدان الجوار او إقامة شبكة تعاون في مجال الطاقة معها كما هو الحال في العراق و
ايران ،المغرب وإسبانيا ،سوريا وتركيا ، هذا الى جانب تحكم كل من ايران وتركيا وإثيوبيا بمصادر المياه
النازلة نحو بلدان الوطن العربي ،يضاف لذلك العقبات التي توضع عن قصد من خارج العالم العربي
(القوى الاقليمية المجاورة ) في وحدة مشاريع شبكات الطاقة التي تربط العراق بالسعودية ،والعراق بالأردن
ومصر، و شبكات الطاقة بين مصر والأردن وغيرها من بلدان العالم العربي .
النتيجة التي نخلص اليها ان العالم العربي بدون وجود مشروع عربي متكامل للأسباب المذكورة سلفا يتجه
نحو المجهول
وان خرائط جديدة للنفوذ الاقليمي وبالتخادم مع الولايات المتحدة سوف تفرض نفسها ضمن إطار مشروع
الشرق الاوسط الجديد .
ومن المؤسف حقا ان الاسباب التي أدت وتؤدي إلى هذه النتيجة ليست متعلقة فقط بطموحات القوى العظمى
حسب انما جنوح الأنظمة العربية ذاتها إلى صراعات داخلية شملت الأنظمة التقليدية وكذلك الأنظمة التي
حملت مشاريع قومية عربية لكنها بدلا من توحيد جهودها فإنها ذهبت إلى صراع الزعامات القومية بعد ان
شخصنت المشاريع الوحدوية .



