لجنة العلوم السياسية

الباكستان ودورها كوسيط في الحرب القائمة مع ايران دوافع وتحديات

بقلم أ.د. هاني الحديثي

استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية 

عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية.

دخلت الباكستان الى جانب تركيا ومصر على خط إيصال الرسائل بين الإدارة الأمريكية وايران في مساع حثيثة نحو التوصل لاتفاق يقضي بوقف إطلاق النار ومنح فرصة لهدنة مدة شهر يتم خلالها اجراء مفاوضات مباشرة او غير مباشرة .

ان إقرار ايران باستلام وثيقة شروط ادارة ترامب لوقف الحرب من خلال الباكستان وبدء المفاوضات وهو ذات الأمر الذي اكدته ادارة ترامب ، يضع حدا للنفي السابق غير المفهوم من قبل ايران بوجود اتصالات بينها وبين الإدارة الأمريكية إلا في حالة اعتبار ذلك شعارات للتسويق الداخلي او ارتباك في قيادة صنع القرار السياسي الإيراني .

الباكستان من جهتها أبدت استعدادها الفعلي  لان تكون إسلام آباد موقعا مناسبا  لانعقاد المفاوضات ، الأمر الذي يمنحها ثقلا اكبر فيما يحصل في منطقة الخليج العربي وجنوب غرب اسيا  لاعتبارات ثلاث أساسية :

الاول : يتعلق بطبيعة العلاقات الوثيقة التي تربط باكستان بالولايات المتحدة وبالتالي فانها وسيط مقبول لدى ترامب .

الثاني :العلاقات متعددة الجوانب بين باكستان وايران (البعد الجيوبولتيكي)المهم لدى ايران .

الثالث :العلاقات الباكستانية -الصينية حيث الشراكة الاستراتيجية ، الأمر الذي يجعل الصين حاضرة بشكل غير مباشر وهي المستهدفة في استراتيجية الولايات المتحدة لتطويق صعودها الى قمة الهرم الدولي خاصة ان الولايات المتحدة تسعى لقمة أمريكية -صينية يتم خلالها وضع استراتيجية دولية لمستقبل النظام الدولي .

ان هذه الثلاثية الجيواستراتيجية في العلاقات الدولية تمنح باكستان أرجحية خاصة انها ترتبط باتفاقية دفاع استراتيجي مع المملكة العربية السعودية الحليف للولايات المتحدة والشريك الاقتصادي للصين والتي تتعرض مع بلدان الخليج العربي لتهديدات إيرانية جدية نقلت مستوى العلاقات الخليجية مع ايران من موقع الصديق إلى موقع العدو  ، فضلا عن تركيا ذات الثقل الاقليمي المهم لحلف الأطلسي ، وكل من البلدين الأخيرين(باكستان وتركيا)  لديه حساسية من الاندفاع الإيراني في توسيع طموحاتها الاقليمية في كل من المشرق العربي وبلدان وسط اسيا .

يعزز من الحضور الباكستاني تعهد باكستان  لايران بتحقيق الردع النووي في حالة تهديد اسرائيلي نووي ضد ايران .

ان ماتقدم يجعل المعادلة المعقدة المتداخلة  بين ثلاثية العلاقات وثنائية المعاهدات تثير سؤالا مركزيا :هل من مصلحة باكستان استقرار النظام السياسي في ايران ؟

الجواب بنعم لسبب جيوسياسي مهم و اساس يتصل بتقاسم البلدين (ايران وباكستان  )لإقليم بلوجستان فضلا عن افغانستان ، وان اي فوضى في احد أطراف التداخل الإثني للبلدان الثلاث في جنوب -جنوب غرب اسيا سيؤدي إلى انعكاسه سلبا على الاطراف الاخرى  .

هنا نستذكر الموقف الايراني عهد شاه ايران رضا بهلوي عام 1972 حين قامت حركة تحرير بلوجستان الباكستاني بثورة عارمة وبدعم سوفياتي لانفصال بلوجستان عن باكستان بقصد الوصول السوفياتي للمياه الدافئة في المحيط الهندي وبحر العرب  عبر افغانستان حينذاك ، حيث امتداد النفوذ السوفياتي .

حينذاك وقف شاه ايران بكل قوة الى جانب ذوالفقار على بوتو لإخماد الانتفاضة رغم التناقض الكبير حينذاك بين سياسة ذوالفقار علي بوتو حليف الصين و بين شاه ايران حليف الولايات المتحدة وعمودها الأساسي في سياستها اتجاه الخليج العربي .

دافع شاه ايران عن وحدة دولة باكستان انطلاقا من اعتقاده ان اي مسعى انفصالي لإقليم بلوجستان الباكستاني سينعكس سلبا على اقليم بلوجستان الايراني وهو ماعبر عنه رضا بهلوي (ان السماح بذلك سيؤدي إلى تفتيت الدول على أسس عرقية بدءا من تركيا وصولا للصين وهو امر لايمكنني حتى القبول به في الأحلام  ).

وفي الاتجاه الاخر حين تغير نظام الشاه وتم الإعلان عن قيام نظام جمهورية ايران الاسلامية ،نجد ان الخميني ونظامه شن هجوما إعلاميا واسعا ضد نظام باكستان بقيادة الجنرال ضياء الحق متهما إياه بالعمالة والتبعية للولايات  المتحدة ،وبدا نظام ايران الجديد بالتدخل في ادارة وشؤون شيعة باكستان وحثهم على الثورة ضد النظام السياسي الباكستاني ،رغم ذلك فان الجنرال ضياء الحق ارسل وزير خارجيته اغا شاهي حينذاك ليقف امام البرلمان الايراني معلنا تأييد بلاده لايران مؤكدا ان دعم نظام الثورة الإسلامية في باكستان  يعد عمودا رئيسيا من أعمدة سياسة باكستان الخارجية ،وهو الموقف الذكي الذي مكن باكستان وزعيمها ضياء الحق لاحقا من لعب دور الوسيط بين العراق وايران اثر اندلاع الحرب بين البلدين عام 1980م.

هل ان هذا المتغير مايزال فاعلا في العلاقة بين الطرفين؟

الجواب عليه بنعم خاصة في ظل علاقات يسودها التوتر بين مجموع بلدان جنوب اسيا .

نعم أن الباكستان تحتضن قوى مسلحة مناهضة لايران في اقليم بلوجستان الجانب الباكستاني ، وهكذا الحال بالنسبة لايران في الجانب الايراني  الأمر الذي يثير العديد من القلاقل الباكستانية -الإيرانية عند الحدود البرية ، وقد شهدت العلاقات بينهما توترات عدة خلالها قامت كل دولة بقصف الجانب الثاني السنة 2025 وهو امر لايمكن نفيه في ضل علاقات النفوذ والتنافس بين البلدين رغم تاريخ قديم من العلاقات والتحالفات بدءا من حلف بغداد والسنتو ،بيد انه

من جانب آخر فأن الباكستان تنظر بسلبية شديدة للعلاقات الإيرانية -الهندية حيث تقوم الهند بتنفيذ  مشاريع استراتيجية في بلوجستان و سيستان الإيرانية  حيث مصب نهر هلمند الذي ينبع من جبال هندوكش في افغانستان ويصب في بحيرة هامون في ايران حيث اقليم بلوجستان و سيستان .

وما يعزز من تلك المخاوف طبيعة العلاقات المتطورة بين الهند واسرائيل وخاصة في المجال النووي ،  في حين تستهدف اسرائيل برنامج ايران النووي الأمر الذي يخلق مشتركا في الردع النووي بين الباكستان وايران .

ان مايعزز من حساسية الباكستان اتجاه ايران هي العلاقات المتطورة بين الهند صديقة ايران  وافغانستان حيث تتهم باكستان الهند باستخدام افغانستان لتهديد امنها القومي عند حدودها الشمالية الغربية  ضمن إطار الصراع الباكستاني -الهندي على اقليم كشمير المتنازع عليه بين الدولتين .

وبذلك فان الباكستان شديدة الحساسية في هذا الموضوع المشترك الامر الذي يتسبب بين حين وآخر إلى أزمات بينهما بين حين وآخر على الحدود رغم سعي البلدين لرفع مستوى التبادل التجاري بينهما إلى 10 مليار دولار ضمن عدد من الاتفاقيات التي وقعت بين البلدين خلال زيارة الرئيس الإيراني بازشكيان إلى باكستان عام 2025  في مساعي الرد على مشروع ترامب لإنشاء طريق ترامب للسلام ( زانزيغور )بطول 30 ميلا شمال ايران بين أذربيجان و ارمينيا يحمل اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي” والذي تم التوقيع عليه بين الرئيسين الأرميني والأذربيجاني بوساطة ترامب في أوغست 2025 (TRIPP)،  في ظل تعقيدات المنطقة وصراع الممرات التجارية العالمية المقصود منه خنق طريق الحرير الصيني في طوقه البري شمالا  (وهو مشروع يلاقي العديد من الصعوبات اللوجستية ) و بسبب المشاكل التي تواجه انشاء وتطوير طرق التجارة البرية بين البلدين (ايران وباكستان ) اللذين يتشاركان حدودا تبلغ 900 كلم غالبا ماتشهد أزمات بسبب الحركات المسلحة  على امتداد حدودهما البرية وهو الأمر الذي جعل التبادل التجاري بينهما في مستويات محدودة حيث تشير  الأرقام التي تعود لعام 2019 حيث ان التفاوت لا يزال قائماً بشكل كبير.

إذ يشير “مرصد التعقيدات الاقتصادية” إلى أن إيران صدرت إلى باكستان ما قيمته 943 مليون دولار في 2023، شكل النفط والغاز والمشتقات النفطية نحو 60% منها، في حين أن باكستان صدرت بضائع قيمتها 9.9 مليون دولار في العام ذاته، غالبيتها آليات تُستخدم في عمليات البناء والتشييد وهي مستويات تعتبر محدودة في العلاقات التجارية بين بلدين جارين ، ومما يساعد على تازم الحالة بينهما هو السعي الإيراني في سياستها الخارجية للتأثير المذهبي ضمن مبدأ تصدير الثورة  على الشيعة الإثني عشرية في باكستان والذين يشكلون نسبة 10./. من مجموع سكان الباكستان التي تشهد غالبا تصعيدا في التطرف الطائفي في مناطق تركز الشيعة وخاصة اقليم السند  ، يضاف لذلك تاييد الباكستان لأذربيجان في نزاعها مع ارمينيا على اقليم ناغورني  كاراباخ بالضد من الموقف الايراني الداعم لأرمينيا ، وهنا تلتقي باكستان وتركيا في ذات الموقف المناهض لايران التي ترى في العلاقات الأذربيجانية -الاسرائيلية مصدر تهديد لأمنها القومي من الجانب الشمالي ، فضلا عن تهديدات التداخل الأذري بين ايران وأذربيجان وخشيتها من طموحات التحاق الاقليم الأذري الإيراني مع الدولة الام اذربيجان .

من جانب آخر فان الباكستان تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الصين العدو التقليدي للهند ،بيد ان كلا من الصين والهند تحتفظان بعلاقات مصالح في مجال الطاقة والنفط مع ايران حيث تعتمد كلا الدولتين على ايران في تزويدها بالنفط كمصدر أساسي من مصادر الطاقة لبلديهما ،

إلا ان الباكستان شريك للصين في مشروع الطوق والطريق (طريق الحرير ) الصيني برا حيث جبال الهملايا نحو تركيا عبر بحر قزوين ، وبحرا حيث يشكل ميناء جوادر الباكستاني عقدة استراتيجية في  الطريق البحري للصين نحو بحر العرب والخليج العربي ، وهو يتقاطع استراتيجيا مع مسعى الهند بدعم أمريكي لإنشاء طريق مواز ومنافس للطريق الصيني (الطوق البحري) وهو طريق دلهي نحو دولة الإمارات العربية المتحدة بحرا ، ثم برا عبر السعودية والأردن نحو موانىء اسرائيل (يافا)   وعبرها  نحو العالم .

إلى جانب  ماتقدم فان نشاط الهند ومشاريعها في إيران تثير  اشكاليات من وجهة نظر  باكستان”، حيث  “تصنف الهند في العقيدة العسكرية الباكستانية بأنها عدو” خاصة ان لايران مواقف مشجعة للهند اتجاه اقليم كشمير تثير حفيظة باكستان بالإضافة إلى ميناء تشابهار الايراني الذي ساهمت الهند في تطويره لمنافسة ميناء جوادر الباكستاني والذي ساهمت الصين في تطويره في مسعى هندي لتطويق مشروع الطريق الاستراتيجي للصين ، ناهيك عن “حضور جيش تحرير بلوشستان على الطرف الإيراني وهو  المعادي للباكستان و الذي تصنفه إسلام آباد تنظيماً إرهابياً، وهو ملف أدى 2025 خاصة  إلى تبادل للقصف المتبادل بين إيران وباكستان.

بناءا عليه فان طرق الملاحة البرية والبحرية وأمن الحدود المشتركة تشكل بعدا جيو استراتيجيا وجيو اقتصاديا  في التنافس والذي تتاثر وتؤثر به الباكستان بما ينعكس سلبا احيانا وايجابيا اخرى على العلاقات الباكستانية -الإيرانية.

تاسيسا على ماتقدم فان دخول باكستان بقوة على خط تبادل الرسائل بين الولايات المتحدة وايران يحمل أبعادا جيواقتصادية حيوية لابد ان تترك تداعياتها على موقع ودور باكستان في عقدة الصراعات ومناطق النفوذ الجيوسياسية .

هنا يبرز السؤال الاهم :هل ترى باكستان مصلحتها في تقويض النظام الايراني واثارة الفوضى فيه كأحد السيناريوهات المحتملة في الحرب القائمة ضد ايران ؟

الجواب قطعا بالنفي للاعتبارات آنفة الذكر ،بيد ان ذلك لايعني قطعا تجاهل المخاوف الباكستانية من احتمال استمرار النظام الحالي في ايران وظهوره بمظهر المنتصر في نتائج الحرب فيما لو توقفت الحرب بشروط معتدلة بمعنى التوافق الأمريكي -الإيراني ، وخشية باكستان من ذلك تبدو واضحة للأسباب أعلاه في ظهور ايران بمظهر المنتصر لتداعيات ذلك على باكستان واحتمال تطور النفوذ الإيراني في جنوب اسيا ومايترتب عليه من نتائج وتداعيات سلبية في تصاعد التدخل الإيراني في الشأن الباكستاني .

ان وجود المشتركات بين ايران وباكستان بناءا على ماتقدم من قضايا ، لايقلل من مخاطر تركيز وثبات النظام الإيراني بعقيدته المذهبية (ولاية الفقيه )  بذات الوقت الذي تقلق باكستان من فوضى يمكن ان تهز بلاد ايران وتؤدي الى تفكيكها .

لذلك تسعى باكستان للعب دور فاعل في التوصل لاتفاق يحمي مصالحها وأمنها القومي ، وهو الدور الذي تسعى عبره للحفاظ على صداقاتها لايران وللولايات المتحدة فضلا عن الصديق الاستراتيجي المشترك لكل من باكستان وايران وهي الصين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى