العراق ومصالحه وحقوقه السيادية القانونية والتاريخية في خور عبد الله وبحره الإقليمي… ومواقف بعض الحكومات العربية المهادِنة للكويت

بقلم أ.د. هاني الحديثي
استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية
سؤالٌ مشروع:
الدول العربية التي انطلقت من أراضيها جحافل الجيوش الأطلسية لتدمير العراق عام 1991 ثم احتلاله عام 2003م، أليست هي ذاتها التي تقف اليوم ضد حقوق العراق التاريخية وسيادته على مياهه الإقليمية؟ عام 1991 وقفت تلك الدول مع الكويت تحت حجة الغزو العراقي لها وخرقه للقوانين الدولية وميثاق جامعة الدول العربية، وكان في ذلك وجهة نظر، رغم أننا لم نستطع أن نفهم لماذا شاركت جيوش تلك الدول وطيرانها الحربي في قصف وتدمير المنشآت المدنية، وكانت تستعرض عضلاتها في سماء العراق، وكأنها حققت نصرًا على عدوٍّ مركزي، كأن تكون إسرائيل مثلًا، وليس على دولة شقيقة قدّم شعبها التضحيات الجسيمة دفاعًا عن قضايا العرب من المحيط إلى الخليج.
اليوم، ما دوافع تلك الدول ذاتها للوقوف إلى جانب مزاعم الحكومة الكويتية وإنكار حقوق العراق السيادية في خور عبد الله ومياهه الإقليمية؟
ألستم من شاركتم الأمريكيين وإيران في تغيير النظام الدكتاتوري البائد، وأتيتم للعراق بنظامه الديمقراطي الجديد؟
ألا يجدر بكم أن تأخذوا دوركم في تنسيق الجهود ضمن إطار جامعتكم (الهزيلة) من أجل إحقاق الحقوق القانونية والتاريخية، وبالطرق الدبلوماسية، وفق ما يخدم “التضامن العربي” إن كان هذا التضامن ما يزال قائمًا؟
إن هذا الموقف يحتاج إلى استذكار تسلسل المواقف العربية المناهضة لحقوق العراق الوطنية والسيادية، ليس الآن فحسب، بل منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921م.
لنعد ونؤكد أن العراق يستحق من العرب أن يقفوا إجلالًا لمواقفه المساندة للقضايا العربية سابقًا ولاحقًا وحتى اللحظة، وأن بعض البلدان العربية المجاورة المعنية ما تزال تتسلم المساعدات، ولا سيما في مجال النفط شبه المجاني.
وإن على العراقيين أن يعلموا جيدًا أن طعنة الشقيق حين تستمر من دون مبرر أشد إيلامًا من طعنة الأجنبي.
لذلك نرفع شعار: العراق أولًا وثانيًا وعاشرًا، وكل شيءٍ آخر يأتي لاحقًا.
ولا حل مع الكويت إلا عبر طريقين:
المفاوضات المتكافئة بحضور الفنيين العراقيين الأصلاء، بعيدًا عن مغانم ومصالح الساسة والسياسة، أو الذهاب إلى محكمة العدل الدولية.
أما بالنسبة للكويت، فإننا نؤكد – بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والتهديدات الفارغة التي صدرت عن الحكومة الكويتية – أن الوثيقة التي تؤمّن حقوق العراق السيادية بموجب القانون الدولي والمرتكزات التاريخية قد تم تثبيتها كوثيقة رسمية من قبل وزارة الخارجية العراقية، كما هو مرفق طيًّا، ولا يجوز التراجع عنها تحت أي ظرفٍ كان لدواعٍ وطنية.
وليس أمام الحكومة الكويتية إلا أحد طريقين: إما المفاوضات الثنائية، أو اللجوء إلى رفع دعوى مشتركة من قبل العراق والكويت أمام محكمة العدل الدولية، ليكون قرارها ملزمًا للطرفين.
وإذا كانت الحكومة الكويتية واثقة من أحقيتها بموجب القانون الدولي، فعليها أن تلتزم بذلك. أما اللجوء إلى لغة التهديد والوعيد، وتفسير الموقف العراقي بأنه ناتج عن الانسداد السياسي إثر أزمة تشكيل الحكومة، وتوظيف هذا الانسداد لممارسة الضغط عبر بعض الأطراف الحزبية العراقية المستفيدة فئويًا وشخصيًا من الاتفاقيات الثنائية الموقعة عامي 2012/2013، فإن هذه الجهود لن تُثمر موقفًا استراتيجيًا يخدم الدولتين مستقبلًا.
ويعود ذلك إلى الطعن في تلك الاتفاقيات من قبل المحكمة الاتحادية، وهو طعنٌ ما يزال ساري المفعول وفق الآليات الدستورية المعتمدة في العراق. وعليه، فإن أي طرف داخلي يُخضع المطلب الوطني والحق السيادي للعراق لمصالحه الخاصة سيكون موضع اتهام، ويعرّض نفسه للمساءلة الوطنية والقانونية تحت أي متغير مقبل.
وهنا لا بد من الإشادة بالجهود الكبيرة التي بذلتها اللجنة الفنية، والتي عملت بصورة مهنية وقانونية، وعرضت آراءها على مختلف الجهات العراقية، فضلًا عن الوفود الكويتية التي خاضت معها جولات تفاوضية مستمرة.
إن ما تحقق حتى الآن يُعد إنجازًا وطنيًا يُسجَّل لها، ولا يحق لأي عراقي – مهما كان موقعه الوظيفي أو مستواه الرسمي – التراجع عنه، لأن ذلك يضعه موضع مساءلة مباشرة أمام الشعب العراقي بكل أطيافه ومكوناته.
ذلك أن ميناء الفاو الكبير، وخور عبد الله، وحقوق العراق البحرية، هي قضايا وطنية سيادية عامة لا تقبل المساومة.




