المتغيرات والاحتمالات في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران متابعة في شؤون الحرب

بقلم أ.د. هاني الحديثي
استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية.
مع مغادرة الأمريكان للعراق (اللجان العسكرية المشتركة) وطلب مغادرة المواطنين منهم للعراق فورًا، تأتي خطوة أخرى تتمثل في مغادرتهم للأردن وطلب مغادرة المواطنين الأمريكيين فورًا أيضًا. يأتي ذلك في ظل غياب خيار الحسم للحرب مع إيران.
ما هو السيناريو المتوقع في ظل احتمالية إيقاف ترامب للحرب وذهابه نحو التفاوض تحت ضغط استمرار الحرب وتداعياتها داخليًا وعلى الاقتصاد العالمي، وانسحابه من تعهداته بتغيير النظام الإيراني كما سحب تعهداته سابقًا من حماية حلفاء له؟
منذ البداية أكدنا في مقالاتنا المتتابعة قواعد أو مبادئ عامة، أبرزها أن الإدارة الأمريكية غير موثوق بتعهداتها، وهي متناقضة في سلوكها، وكل ما يهمها هو صفقة تحقق لها الأمن الإسرائيلي وتمنع الصين من التقدم نحو الشرق الأوسط. وضمن هذه السردية، فإن ترامب أعطى تفاصيل مسبقة يصعب تحقيقها، أهمها أنه وعد بتحقيق الحسم خلال أربعة أيام، وهو أمر لم يتحقق، كما وعد بإسقاط النظام، وهو أمر قلنا فيه منذ البداية إن الأنظمة لا تسقط بالصواريخ والطيران، إنما يمكن أن يتحقق بأحد خيارين؛ انتفاضة داخلية مدعومة من الخارج، أو الغزو البري على غرار احتلال العراق. فالانتفاضة التي عوّل عليها الأمريكان بعد الضربة الأولى في إيران لم تحصل، بل أدى التدخل الخارجي إلى توحيد صفوف الداخل، أما الغزو البري فهو شبه مستحيل لطبيعة إيران الجغرافية وامتداداتها الجيوبوليتيكية.
كما حملت الحرب في الآونة الأخيرة متغيرين مهمين، أولهما ارتفاع أسعار الطاقة والأزمة العالمية بنسب متصاعدة وصلت إلى 30% في الأسواق العالمية بسبب إغلاق مضيق هرمز وتوقف 20% من إمدادات النفط والغاز، وثانيهما استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية وتطور مدياتها إلى 4000 كلم حيث دييغو غارسيا، وهو ما يعني توفر القدرة لإيصالها إلى معظم العواصم الأوروبية التي تقع ضمن هذا المدى إن تطلب الأمر ذلك، خاصة أن العالم لا يعرف حتى الآن مصداقية عدم امتلاك إيران لقدرات نووية يمكن تركيبها في رؤوس الصواريخ بعيدة المدى، فضلًا عن نسبة الدمار داخل إسرائيل بالصواريخ متعددة الرؤوس التقليدية، الأمر الذي يعد مفاجأة ربما لم تكن محسوبة من قبل الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية.
إن ذلك قد يستوجب من قبل الإدارة الأمريكية الحسم بضربات استراتيجية لا تشمل فقط تدمير مصادر الطاقة في إيران، بل قد تمتد إلى ضربات تدميرية كتلوية غير تقليدية، وليس بالضرورة نووية، إلا أن ذلك سيؤدي عمليًا إلى احتراق الخليج العربي واشتعال أسعار الغاز والنفط عالميًا بشكل كارثي، وربما إضافة أذرع إيرانية أخرى لمساحة الحرب، مثل باب المندب وسيطرة الحوثيين على الساحلين اليمني والإرتري، وهنا ستكون الطامة الكبرى التي يخشاها العالم، ومن ضمنه بلدان الناتو التي ترددت إلى ما يمكن وصفه بمربع الجبن وفق توصيف ترامب لها.
وفي ضوء ذلك، وبترابط معه، نجد أن الإدارة الأمريكية تتخذ قرارات مترددة لا تخلو من التخبط وربما بشكل مقصود في الساحة الإقليمية، وهنا أقصد العراق ولاحقًا الأردن، ويفسر ذلك انسحاب القيادات العسكرية الأمريكية وقدراتها من العراق، وتبع ذلك الأردن، مع دعوة المواطنين الأمريكيين في هذين البلدين للمغادرة فورًا، مع الإبقاء على حمايات مهمة لمواقع السفارات الأمريكية، الأمر الذي يسقط الكثير من المراهنات.
إن ما تقدم يثير سؤالًا خطيرًا: ماذا لو قررت الإدارة الأمريكية سحب قواعدها من بلدان الخليج العربي؟ ولماذا لا نتصور ذلك في ظل متغيرات دولية حاسمة يمكن أن تعلن إزاءها الولايات المتحدة تخليها عن الأصدقاء والحلفاء تحت مبرر تخلي حلفائها الأوروبيين والناتو عن واجبهم في مشاركتها مقاصد الغزو الأمريكي–الإسرائيلي لإيران، لتحمّلهم مسؤولية التداعيات عن عدم مشاركتهم في حماية مصالحهم الجيو-اقتصادية؟
وبدلًا من ذلك، قد تتجه الإدارة الأمريكية إلى مفاوضات جدية وشاملة مع إيران لوقف الحرب وتحقيق مصالح متبادلة واستراتيجية، تشمل تخلي إيران عن برنامجها النووي أو جزء مهم منه، كخفض نسبة تخصيب اليورانيوم أو نقله خارج إيران، واتفاق يشمل القدرات الصاروخية، مقابل إعادة بناء ما تم تدميره في إيران من خلال الشركات الأمريكية التي ستدخل وتحقق نتائج حيوية للاقتصادين الأمريكي والإيراني معًا، وهو سيناريو مطروح أصلًا حتى قبل حرب الـ12 يوم عام 2025، مقابل استثمارات أمريكية داخل إيران قُدّرت حينها بستة تريليونات دولار.
وهنا تكون الإدارة الأمريكية قد حققت هدفين في آن واحد، الحد من تأثير الصين داخل إيران ومحيطها الإقليمي، وكسب موقع استراتيجي في علاقات مهمة مع إيران يعيدها إلى دائرة النفوذ الأمريكي كما كانت سابقًا.
ويظل السؤال مشروعًا، خاصة أن ما يهم كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل هو إضعاف العالم العربي من خلال مشروعين أحلاهما مر، المشروع الإسرائيلي باتجاه الشرق العربي، والمشروع الإيراني في استعادة الهيمنة على ذات المنطقة الجيو-استراتيجية، وقد تخادم المشروعان منذ انبثاق نظام ولاية الفقيه في إيران عام 1979، وكانت الحرب العراقية–الإيرانية، والحروب في سوريا ولبنان واليمن، نماذج واضحة لهذا التخادم.
لقد حقق نظام ولاية الفقيه منجزًا مهمًا لإسرائيل تمثل في تمزيق الولاء الوطني والوحدة المجتمعية في أغلب بلدان المشرق العربي، التي تحولت من وحدات وطنية إلى كانتونات طائفية وعرقية متصارعة، مع الإشارة إلى أن بلدان المغرب العربي بقيت ساحة خلفية تتلقى النتائج دون أن تكون طرفًا مباشرًا في أسبابها.
إلا أن العقبة التي واجهت المشروعين برزت عند تجاوز الخطوط الحمراء، حين استثمرت إيران عناصر قوتها لتتوسع إلى مديات تتعارض مع مناطق النفوذ والخارطة الإسرائيلية لمستقبل الشرق الأوسط، مما يفرض إعادة صياغة للعلاقة بين المشروعين باتجاه نوع من التوازن الإقليمي وفك الاشتباك في مناطق التداخل.
كما نجحت إسرائيل في هذا الصراع في تقويض مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، بما في ذلك حل الدولتين، الذي أصبح مشروعًا نظريًا، مع تراجع فاعلية القانون الدولي، وتحول غزة إلى نموذج للصراع المعقد الذي غذته حسابات إقليمية متشابكة.
أما على مستوى المشرق العربي، فمن المحتمل أن تتجه الأمور نحو تكريس نفوذ إيراني في بعض المناطق ضمن حدود لا تتعارض مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، أو التوصل إلى اتفاق يحد من أدوار الأذرع الإقليمية مقابل امتيازات اقتصادية وبقاء النظام الإيراني، مع احتمالات إدخال إصلاحات داخلية.
وبالنسبة للعراق، وهو الساحة الأخطر في عموم المشرق العربي، يبدو الوضع شديد التعقيد نتيجة تداخل النفوذ الإيراني واصطدامه بالمشروع الأمريكي، خاصة أن العراق مرشح ليكون عقدة اتصال للتجارة والطاقة بين الخليج والعالم عبر تركيا، وهو ما يعكس تناقضًا في الرؤى الإقليمية حول دوره.
لقد تعرض العراق إلى تمزيق مجتمعي وإضعاف اقتصادي، ومع استمرار الصراع الداخلي والتجاذبات الإقليمية والدولية، قد يكون قد دخل فعليًا في مسار إعادة التشكل، بين توجهات مختلفة، بعضها يميل إلى محيطه العربي، وبعضها يرتبط بالنفوذ الإيراني، وأخرى تطرح خيارات انفصالية، الأمر الذي قد يقود إلى صيغ اتحادية أو كونفدرالية خاضعة لتأثيرات خارجية.
وفي هذا السياق، قد يكون الخيار الأكثر استقرارًا للعراق، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، هو تبني صيغة إقليمية تعاونية حديثة شبيهة بحلف بغداد ولكن بأطر جديدة تتلاءم مع المتغيرات الراهنة، إلى جانب إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية وتنويع منافذ التجارة عبر دول الجوار، بما فيها سوريا والسعودية والأردن والخليج وتركيا، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران.
وفي المحصلة، فإن الواقع يفرض نفسه بوصفه أساسًا ونتيجة لهذه القراءة، التي تبقى ضمن إطار التحليل المفتوح القابل للنقاش والتصحيح في ظل تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية.



