لجنة العلوم السياسية

متغيرات متسارعة تغير الخرائط الجيوسياسية

متغيرات متسارعة تغير الخرائط الجيوسياسية

بقلم أ.د. هاني الحديثي

استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والخبير في شؤون الباكستان واسيا
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلم السياسية.

شكل الوطن العربي موقعا جيوبولتبكيا واستراتيجيا مهما تنافست عليه القوى الدولية منذ قرون .
الحرب العالمية الاولى وضعت النقاط على الحروف لصالح النفوذ الغربي لغاية الحرب العالمية الثانية التي
شهدت لاحقا تنافسا بين القوتين الأعظم الولايات المتحدة قائدة للغرب و الاتحاد السوفييتي قائداً للشرق
لتصبح الساحة مفتوحة على صراعات وحروب وانقلابات وتغيير في الأنظمة لغاية الانهيار السوفيتي عقد
التسعينات وتقدم الولايات المتحدة لتكون لها الأولوية في عموم العالم العربي اثر النهاية المأساوية للعراق
بسبب القراءة الخاطئة من قبل القيادة العراقية للمتغيرات الدولية منذ غزو الكويت 1990 م ثم ليبيا وبلدان
اخرى ليتم استكمال الاستراتيج المرسوم من قبل الغرب منذ مؤتمر كامبل 1905 وما تبعه من اتفاقيات
سايكس بيكو 1916 ثم سيفر ولوزان عامي 1920 و 1923 حيث توزيع شعوب العالم العربي إلى دول
وإمارات ودويلات تحت هيمنة قوى الاستعمار التقليدي حينذاك في المرحلة الاولى ولاحقاً تحت الهيمنة
الأمريكية .
الان وفي ظل التطورات والمتغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم تبدو دعائم خطيرة تظهر مجددا أبرزها :
اولا:امن الطاقة عالميا ومركزها في العالم العربي
الاهم جيوسياسيا .
ثانيا: اشتداد الصراعات الاقليمية المدعومة دوليا حيث اسرائيل بمشروعها الشرق أوسطي الكبير ، وايران
بمشروعها الاستراتيجي للهيمنة تحت رداء إسلامي مذهبي تكون فيه الرأس القائد لعموم الشرق الأوسط
الإسلامي المقابل شرق أوسطيا لتتنافس مع تركيا بطموحاتها الاقليمية مستشعرة المخاطر التي ستتعرض
لها لاحقا وهي الدولة الأطلسية( برداء إسلامي) ليتحقق التخادم الاقليمي على حساب العالم العربي الفاقد
لمشروع موازن لأسباب عديدة ومعروفة جعل منها هدفا للجميع وان تعددت واختلفت ألوان المشاريع
المحيطة ولكنها في النتيجة تتخادم استراتيجيا .
ثالثا:تصاعد وتائر التنافس بين الولايات المتحدة من جهة والصين من جهة اخرى ، وكل منها مع اختلاف
قوة التأثير لها عيون وقوى مفتوحة في الشرق الأوسط .
رابعا :حروب اخرى مهمة تهز العلاقات الدولية كما في أوكرانيا حيث يتركز الصراع الروسي-الأوروبي
وسط ترقب أمريكي للعب على أوراق الصراع لصالح مصالح ورؤى استراتيجية للولايات المتحدة في

غرينلاند و بلدان في أمريكا اللاتينية (فنزويلا نموذجا) من جهة ،و الصراع مع الصين في مناطق بحر
الصين الجنوبي والمحيط الباسفيكي ،وهي صراعات بدأت تؤثر سلبا على العلاقات الأمريكية-الأوروبية من
جهة ، والعلاقات الأمريكية مع كندا التي بدأت تمد خيوط التفاهم مع الصين حول قضايا جيوسياسية مهمة
وربما تتبعها بلدان أوروبية أطلسية حين تجد نفسها مكشوفة دون الدعم الأمريكي وهو احتمال قائم وان كان
ضعيفا لاعتبارات تخص البعد الاقتصادي والأيديولوجي في واقع الصراعات الدولية وغيرها.
تاسيسا على ماتقدم نجد تفجر قضايا عدة في العالم العربي والشرق الأوسط حيث مظاهر التنافس السعودي
-الإماراتي في كل من اليمن والسودان من جهة ، والوضع المرتبك في سوريا التي تشهد تطورات كبرى
منها انهيار قسد لصالح حكومة الشرع في ظل تخل أمريكي واضح عن دعم قسد لصالح تركيا بعد ان اكد
باراك مبعوث ترامب في تصريحاته المتكررة بالشأن السوري ان نظام الأقاليم الفدرالية في سوريا وغيرها
في المنطقة امر غير ممكن وخيار غير سليم في بلاد تتداخل فيها الخطوط والتفرعات الاثنية ، وهذا الأمر
قد يشمل مناطق اخرى ربما القصد منها توزيع وتوسيع بؤر التوتر في عدد من بلدان العالم العربي بقصد
بسط السيطرة المطلقة عبر منهج خلق الصراعات الداخلية وإدارتها لصالح التحالفات الاستراتيجية مع قوى
حليفة استراتيجيا ، وتسارع وتائر فرض الحلول الأمريكية لقطاع غزة وعموم فلسطين وفق رؤية ادارة
ترامب لمجريات الصراع وتداعياته اقليميا ودوليا بفعل التطرف الديني ، و تباشير الانقسام العربي بين
حلف سعودي -باكستاني -تركي يوفر مضلة أمنية بحكم قدرات باكستان النووية ، وتحالف اماراتي مع الهند
النووية وكليهما لهما مصالح وتحالفات مع اسرائيل .
ان ماتقدم يهدد بانهيار تحالفات اقليمية عربية مثل مجلس التعاون الخليجي العربي ،و يبشر بتحالفات اخرى
بديلة يمكن ان تضم إلى جانب السعودية وباكستان وتركيا مصر وربما الأردن و سوريا واليمن .
الإدارة الأمريكية تلعب على جميع الأوراق في ضل وضع إقليمي ودولي مضطرب وربما هي تدبر
الأزمات لتبدأ بأدارتها عمليا عبر العديد من الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية فضلا عن التهديد باستخدام
القوة أينما تطلب الأمر ذلك لصالح حسم الموقف لصالح هيمنتها على مصادر الطاقة .
أن مايشجع على ذلك فضلا عن متغير الطاقة العالمية هو التغيرات المناخية التي بدأت تفرض نفسها على
واقع العلاقات الدولية واحتمالات الهجرات المعاكسة لشعوب العالم نحو المناطق الدافئة ، الأمر الذي يجعلنا
نعتقد ان المستقبل القريب سيشهد تحالفات جديدة تبزغ ، وتحالفات قديمة تتآكل، وفائض في القوة يفرض
نفسه نحو نظام دولي جديد يخرج عن عباءة المواثيق والقوانين الدولية السائدة نحو مواثيق وقوانين اخرى
مختلفة .
أن ماتقدم سيفرض واقعا مختلفا كليا في العالم العربي ستتغير فيه شبكة العلاقات الاقليمية والدولية لتصبح
عابرة للحدود الوطنية و القومية .
وفق مايبدو لي ان تركيا والسعودية والباكستان فضلا عن بلدان مرشحة اخرى ستكون في خانة ،تقابلها
خانة الشرق الأوسط في جانبه العربي حيث توسع حركة التطبيع العربي-الإسرائيلي في ضل معطيات
مختلفة للقوة مختلة التوازن لصالح اسرائيل .

وبالتالي فان الرمال المتحركة في كل من اليمن والسودان والعراق ولبنان وفلسطين فضلا عن أيران مهيأة
لان تشهد تغيرات عاصفة نحو توزيعات جيوبولتيكية جديدة قد تشهد خلالها مظاهر استخدام للقوة أينما
تطلب الأمر باتجاه الحسم ، الأمر الذي يتطلب من الزعامات ذات الطموحات الاقليمية او داخل بعض
البلدان العربية من زعامات قومية او دينية ، ان تدقق في سلوكها وقراراتها وتستخدم الحكمة في قرائتها
للمتغيرات بدلا من الخطابات الشعبوية قبل ان يعصف بها الطوفان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى