الدولة الفاشلة

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
يتفق معظم الفقهاء والكتاب والباحثين في الشئون السياسية أن من أهم واجبات السلطة التي
تحكم أي دولة توفير العيش الرغيد والاستقرار المعيشي والسياسي لمواطنيها من خلال
تشريع قوانين وأنظمة كفيلة بتنظيم الحقوق والحريات المدنية. كالصحة والتعليم وبناء نظام
اقتصادي متين وناجح كي يضمن المواطن تحقيق تطلعاته وتنمية قدراته وحياته المعيشية إلا
أن استمرارا الصراعات بين حكومات الدول صغيرها وكبيرها لتحقيق أطماع الدول الكبيرة
لفرض سيطرتها بالقوة الغاشمة والمسلحة. الأمر الذي أدى إلى انهيار بعض الدول
المستهدفة بهذه الأطماع وتسليم دولهم لعصابات منظمة ومسلحة تحكم الدولة بالقوة
وتخريبها بشتى الوسائل اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا فتكون النتيجة دمار دائم شامل وعام
لكل مناحي الحياة لنظام مؤسسات الدولة.
ومصطلح الدولة الفاشلة كظاهرة ليس جديدا حيث بدأت الكتابة عنها في التسعينيات من
القرن العشرين بعد انهيار الحكومة في الصومال وخلفت الكثير من الظواهر الإنسانية
والمآسي، في وقتها نشرت دراستان عن هذه الظاهرة الأولى لجيرالد هيرمان (الكاتب ومحلل
سياسي أمريكي أشتهر بدراسته حول مفهوم الدولة الفاشلة في عام 1993) بأنها الدولة
غير القادرة على العمل ككيان مستقل وحر. ومن الدول التي ذكرها، هايتي ويوغوسلافيا
والسودان وليبريا وغيرها. كما نشر وليام زارتمان (كاتب أكاديمي أمريكي وخبيرا في
العلاقات الدولية) دراسة حول الدولة المنهارة ومنها الكونغو وتشاد وغانا وأوغندا. في حين
يرى عددا من الكتاب أن الدولة الفاشلة هي التي تحكمها المليشيات المسلحة ويرى آخرون
أنها الدولة التي فقدت السيطرة على جرائم العنف خارج القانون ومن صفات الدولة الفاشلة
هي ـ فقدان السيطرة على أراضيها أو جزأ منها ـ عجز السلطة الحاكمة من اتخاذ قرارات
موحدة ـ عدم القدرة في ألخدمات العامة ـ عدم قدرتها على التفاعل مع الدول بصفتها عضوا
في المجتمع الدولي .
وفي مجال تأكيد فشل الدولة هناك عددا من المؤشرات السياسة ومنها ـ مدى شرعية نظام
الحكم وتراجع في تقديم الخدمات وتعليق حكم القانون وانتهاك حقوق الإنسان وتواجد حالة
التداخل بالوظيفة الأمنية وحالة عدم الاستقرار السياسي وزيادة في التدخلات الخارجية. وأما
المؤشرات الاقتصادية فمنها عدم ثبات معدلات التنمية وانحدار في الوضع الاقتصادي بشكل
عام وزيادة في جرائم الفساد يكل صوره واستخدام المعاملات بشكل يدوي ومتخلف . وفي
المجال الاجتماعي ، انعدام المسارات في توزيع الثروات والموارد . وانخفاض حاد في
حصص الأفراد. وزيادة ملحوظة في الهجرة داخل وخارج الدولة وقد تنفذ بصورة قسرية أو
طوعية وتفشي الفقر والمجاعة والعداء التاريخي الراسخ بين أبناء المجتمع الواحد بكل
أطيافه. هجرة العقول والكفاءات خارج الوطن لأسباب مختلفة. وهذه الأسباب قد تكون
مجتمعة أومنفردة الواحدة تلو الأخرى لتؤدي إلى فشل الدولة وانهيارها. أن ضمان الانتقال
من الدولة الفاشلة إلى الدولة الناجحة يجب الاعتماد على صيغ وسياقات ناجحة ومضمونة
وأن تكون الأولويات لتخطي السلبيات التي أشرنا إليها.
ووفقا لرأي الباحث السياسي ماكس فيبر ( من الممكن أن تكون الدولة ناجحة وتبتعد عن
معيار وخصائص الدولة الفاشلة عن طريق الاستخدام المشروع للقوة والسلطة داخل
أراضيها دون السماح للجماعات المسلحة أو أي تنظيم مسلح من السيطرة على أي جزء من
أجزائها بحيث تكون الكلمة والفصل على القوة والسلطة داخل مناطقها) مضافا إلى كل ما
أشرنا إليه فأن هناك عددا من الخصائص لهذه الدولة منها على سبيل المثال لا الحصرـ
انعدام الأمن الداخلي بالكامل وسيطرة العصابات المسلحة ـ تراجع كبير في الخدمات
الأساسية وانعدامها في بعض الحالات ـ فقدان الحكومة لشرعيتها وعدم قدرتها على اتخاذ
القرارات السيادية والداخلية ـ التدخلات العسكرية والسياسية الخارجية من دول أخرى بسبب
ضعف هذه الدولة . ومع ذلك فأن بالإمكان تحول الدولة الفاشلة إلى دولة ناجحة أذا تمكنت
من تجاوز معايير وخصائص الدولة الفاشلة والتمسك المشروع بالقوة والسلطة داخل
أراضيها .



