اللجنة القانونية

المدنيون العراقيون يدفعون ثمن الحرب على إيران

مقال من تشام هاوس (معهد الدراسات الدولية 1919)

نُشر في 1 أبريل 2026

ترجمة صباح المختار، العضو المؤسس في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

اللجنة القانونية

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تعطيل صادرات النفط، وارتفاع الأسعار، وتفاقم المخاوف من انقطاع التيار الكهربائي.

انخرط العراق بشكل متزايد في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، حيث يتبادل الطرفان الهجمات على أراضيه. وقد عانى المدنيون جراء سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة بالقرب من المباني السكنية في مدن مثل بغداد وأربيل.

كما كشفت الحرب عن هشاشة الاقتصاد والمجتمع العراقي. ويواجه معظم العراقيين هذا الصراع الأخير بموارد مالية محدودة ومدخرات ضئيلة، مع انعدام الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم من آثار الحرب.

بالنسبة للعديد من الأسر، تسببت الحرب في قلق بشأن استمرار تلقي رواتبهم أو قدرتهم على الحصول على الغذاء والدواء. وهناك أيضًا مخاوف بشأن استمرار إمدادات الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة قبيل فصل الصيف. أبرزت الهجمات على ناقلتين في المياه العراقية قرب مدينة الفاو الساحلية مطلع آذار، اعتماد العراق الكبير على التجارة البحرية. ويؤدي تعطل حركة الشحن في الخليج إلى تقييد الواردات، وتعطيل أو تأخير وصول الشحنات المتجهة إلى العراق.

بالنسبة لدولة تنقل أكثر من 90% من تجارتها بحراً، فإن استمرار الاضطراب في الخليج يُهدد اقتصاد العراق ويحرمه من صادرات النفط الحيوية التي تُموّل الجزء الأكبر من ميزانية الدولة.

تقويض شبكة الأمان الاجتماعي في العراق

يواجه العراق الحرب بهياكل حوكمة أضعف وقدرة أقل على حماية المجتمع من تداعياتها مقارنةً بالعديد من جيرانه.

تُعدّ ميزانية الدولة العراقية شبكة الأمان الاجتماعي الرئيسية لشريحة واسعة من السكان، إذ تُوفر رواتب ملايين العراقيين، ولا تزال العديد من الأسر تعتمد على الإنفاق الحكومي في معيشتها اليومية، سواءً من خلال الرواتب أو المعاشات التقاعدية أو برامج الرعاية الاجتماعية المرتبطة بالإنفاق العام.

لا يزال اقتصاد العراق يعتمد بشكل كبير على النفط، حيث تُشكّل مبيعات النفط الخام أكثر من 90% من دخل الدولة. عندما تتعطل تدفقات النفط، يتأثر الإنفاق الحكومي. وهذا بدوره يؤثر على ميزانيات الأسر من خلال زيادة تكاليف الإيجار والغذاء، والنقل، والدواء والتعليم.

وقد كشفت الحرب على إيران عن هذا الاعتماد من خلال إلحاق ضرر مباشر بقدرة العراق التصديرية. وأعلنت بغداد حالة القوة القاهرة على حقول النفط التي تديرها شركات أجنبية بعد أن أدى تعطل مضيق هرمز إلى توقف معظم صادرات النفط الخام.

لا يزال لدى العراق حوالي 97 مليار دولار من الاحتياطيات، لكن معظمها غير سائل بشكل فوري، ولا يمكن للاحتياطيات إلا أن توفر إغاثة قصيرة الأجل. وقدّر الاقتصاديون أن أمام العراق حوالي شهرين قبل أن تتأثر الرواتب بشكل مباشر، وبعد ذلك ستضطر الحكومة إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة للحفاظ على دفع الرواتب.

في جميع أنحاء العراق، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تتراوح بين 15 و25 بالمائة. وفي إقليم كردستان، أفاد مسؤولون أن سعر الخضراوات التي عادة ما يتم استيرادها من إيران قد تضاعف، بينما أفادت التقارير أن أسعار الوقود قد ارتفعت بأكثر من 20 بالمائة في بعض المدن. في غضون ذلك، انخفض سعر صرف الدينار في السوق السوداء من السعر الرسمي البالغ 1300 إلى حوالي 1550 للدولار، مما زاد الضغط على القدرة الشرائية للأسر.

نقص وشيك في الكهرباء

من المرجح أن تكون الكهرباء هي أكثر جوانب الحرب تأثيراً على حياة العراقيين.

على الرغم من امتلاك العراق احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، إلا أنه يحرق معظمه لافتقاره إلى البنية التحتية اللازمة لاستخدامه كوقود لتوليد الكهرباء. ومنذ عام 2017، يعتمد العراق على الغاز الطبيعي الإيراني المستورد لتوفير الكهرباء. ويعتمد أكثر من 30% من إنتاج الكهرباء الحالي في العراق على هذه الواردات، مما يجعله عرضة للتوترات الإقليمية.

أدى الهجوم الإسرائيلي في 18 آذار على حقل غاز جنوب فارس الإيراني إلى تعطيل جزء كبير من واردات العراق من الغاز. وقد استؤنفت إمدادات الغاز إلى العراق الآن، ولكن بشكل جزئي فقط، مما ساهم في استقرار الشبكة، ولكنه لم يترك مجالاً لمزيد من الاضطرابات.

لا يزال نظام الكهرباء هشاً مع دخول فصل الصيف، حيث يرتفع الطلب بشكل حاد بسبب الحرارة. مع قدرة توليد إجمالية لا تتجاوز 24-28 جيجاوات، وتوقعات بوصول ذروة الطلب إلى 57 جيجاوات في عام 2026، فإن أي انقطاع إضافي قد يُفاقم النقص بسرعة.

وقد تجلى هذا الضعف بالفعل في 4 آذار، عندما عانى العراق من انقطاع تام للتيار الكهربائي بعد انخفاض مفاجئ في إمدادات الغاز إلى محطة الرميلة لتوليد الطاقة بالغاز في البصرة.

وقد بحث العراق سابقًا بدائل للغاز الإيراني المستورد، بما في ذلك استيراد الغاز من قطر وعُمان، وجهودًا لتوسيع إنتاج الغاز المحلي. إلا أن هذه البدائل ليست فورية.

في العراق، لطالما أثارت أزمة نقص الكهرباء احتجاجات، إذ يعتقد كثير من المواطنين أن سنوات من ارتفاع عائدات النفط كان ينبغي أن تُفضي إلى تحسينات في البنية التحتية للكهرباء في البلاد. ويكشف الصراع الحالي عن قلة الجهود المبذولة لجعل النظام أكثر موثوقية، على الرغم من التحذيرات المتكررة.

تبعات سياسية؟

تُهدد ضغوط الحرب بتأجيج مجموعة من المظالم القائمة ذات الطابع السياسي.

في العراق، ضعفت شرعية الدولة بالفعل بسبب سنوات من الفساد، وقصر النظرة السياسية، وعدم تكافؤ الخدمات. ومع تصاعد الأثر الاقتصادي للحرب، باتت نظرة الجمهور إلى الحكومة بأنها لا يمكن الاعتماد عليها في الأزمات تُضاهي في أهميتها الأثر المادي المباشر.

كانت الاحتجاجات على الوظائف والخدمات قد عادت للظهور قبل الحرب. واستهدفت موجات سابقة من الاحتجاجات النخبة الحاكمة بسبب الفساد والتقصير في تقديم الخدمات. تاريخيًا، رفض العديد من المتظاهرين النفوذ الإيراني، فضلًا عن نمط التدخل الأجنبي الأوسع في العراق الذي أتاحته الأنظمة السياسية لما بعد عام 2003.

أثارت الحرب الحالية العديد من هذه المظالم، لكنها لم تُفضِ إلى رد فعل شعبي موحد.

عبّر بعض العراقيين عن غضبهم من إيران وحلفائها في العراق لتعريضهم البلاد لصراع لا تستطيع تحمّله. وتظاهر آخرون مؤخرًا تضامنًا مع إيران، وحاولوا اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد. بالنسبة للعديد من العراقيين، لا تُعدّ هذه المواقف متناقضة. فالغضب من نفوذ طهران يمكن أن يتعايش مع رفض العمل العسكري الأمريكي. وبالمثل، يمكن أن يتجاور انتقاد الجماعات المسلحة العراقية مع الاستياء من دور إسرائيل والولايات المتحدة في توسيع نطاق الحرب.

لا يُنظر إلى هذه المواقف على أنها متناقضة، بل على أنها استجابات متداخلة لصراع ساهمت فيه جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية ودولة ضعيفة في تعريض البلاد لعنف لا تستطيع السيطرة عليه.

استجابة عاجلة مطلوبة

بالنسبة للعراق، يتمثل الاختبار الأكثر إلحاحًا الآن في كيفية استجابة الدولة للضغط الذي تُشكّله الحرب على المجتمع.

لا تستطيع الحكومة التخفيف من جميع آثار حرب إقليمية متفاقمة، ولكن بإمكانها تقليل عمق تأثيرها على الأسر العراقية.

يتطلب هذا من الحكومة إيجاد حلول إبداعية قصيرة الأجل لحماية الرواتب. قد تشمل هذه الحلول استراتيجيات من حقبة كوفيد-19، عندما أعطت بغداد الأولوية لدفع الأجور والمعاشات التقاعدية بالاعتماد بشكل أكبر على سندات الخزانة والاقتراض المحلي، واستخدمت البنك المركزي والنظام المصرفي للحفاظ على السيولة واستمرار المدفوعات. على المدى البعيد، يحتاج العراق أيضاً إلى تنويع مصادر دخله وتقليل اعتماده المفرط على عائدات النفط. كما ينبغي عليه حماية نفسه من أي اضطرابات في مضيق هرمز، وذلك بتأمين طرق بديلة وموثوقة لاستيراد السلع الأساسية، عبر الأردن وتركيا وسوريا مثلاً.

يعاني العراقيون بالفعل من آثار هذه الحرب. والسؤال المهم الآن هو: هل تستطيع الدولة حماية المواطنين من تحمل وطأة الأزمة مرة أخرى؟



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى