قانون صلاحيات الحرب الأمريكي

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
يُلاحظ أن قرار صلاحيات الحرب الأمريكي يعد قانونًا فيدراليًا ملزمًا تم إقراره عام (1973) لتنظيم إيجاد تناغم وتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في اتخاذ القرارات ذات الصلة بإشراك الولايات المتحدة في الحروب والنزاعات العسكرية الخارجية، وذلك عن طريق وضع آليات تسمح لكل من الرئيس والكونغرس بالمشاركة في اتخاذ هذه القرارات. ويهدف هذا القانون إلى العمل بمبدأ المرونة والمساءلة في القرارات الحكومية، وفرض قيود على صلاحيات الرئيس في استخدام القوات المسلحة خارج البلاد لشن هجمات عسكرية ميدانية دون الحصول على تفويض صريح من الكونغرس، الذي يُلزم الرئيس بتقديم تقارير دورية خلال فترات النزاعات الحربية.
وهناك مسعى متواصل من عدد من المشرعين لتعديل هذا القانون بسبب ما يرونه فشلًا في التطبيق نتيجة ضعف دور الكونغرس أثناء الأزمات العسكرية والحروب، مع تمكّن بعض الرؤساء في حالات معينة من الالتفاف على أحكامه. في المقابل يرى أعضاء داخل الكونغرس، ويشاركهم بعض أعضاء السلطة التنفيذية، أن رئيس الدولة بحاجة إلى مزيد من المرونة في إدارة السياسة الخارجية، بحجة أن القانون غير دستوري وغير عملي، بل طالب البعض بإلغائه.
ويلاحظ أن الدستور الأمريكي يوزع صلاحيات اتخاذ قرارات الحرب بين الكونغرس والرئيس، حيث نص القسم الثامن من المادة الأولى على أن الكونغرس يملك سلطة إعلان الحرب وتعبئة ودعم القوات المسلحة. وقد حدد قانون صلاحيات الحرب الإجراءات التي يجب على الرئيس والكونغرس اتباعها في حالة إرسال القوات إلى العمليات العسكرية أو استخدام القوة العسكرية في الحروب، وذلك في ثلاث حالات
رئيسية هي:
1. إعلان الكونغرس الحرب.
2. تفويض قانوني محدد من الكونغرس.
3. حالة الطوارئ الناتجة عن هجوم على الولايات المتحدة أو على قواتها المسلحة.
ويمنع قانون الصلاحيات إدخال القوات المسلحة في أعمال عسكرية عن طريق التخمين أو الاستنتاج من حكم قانوني، إلا إذا كان القانون المنفذ لتلك المعاهدة يجيز صراحة إدخال القوات المسلحة في الأعمال العسكرية الميدانية أو المتوقعة.
كما يلزم القانون الرئيس بالتشاور مع الكونغرس في كل حالة وإبلاغه كتابيًا في الحالات الآتية:
أولًا: إدخال القوات الأمريكية في أعمال عسكرية أو محتملة.
ثانيًا: إدخال القوات إلى أراضي أو مجال أو مياه دولة أجنبية.
ثالثًا: في حالة زيادة كبيرة في عدد القوات المسلحة الأمريكية.
ويمنح القانون الرئيس مدة (48) ساعة من نشر القوات لإرسال تقرير إلى الكونغرس يتضمن المعلومات
التالية:
الظروف التي استدعت طلب إدخال القوات المسلحة.
1. إدخال القوات الأمريكية إلى أراضي أو مياه دولة أجنبية وهي مجهزة للقتال باستثناء عمليات الانتشار.
2. زيادة كبيرة في القوات المسلحة الأمريكية المجهزة للقتال والمتمركزة بالفعل في أراضي دولة أجنبية.
كما يجب أن يتضمن التقرير:
أولًا: الظروف التي تطلبت إدخال القوات المسلحة.
ثانيًا: السلطة الدستورية والتشريعية التي بموجبها تم إدخال القوات.
ثالثًا: النطاق والمدة المقدرة للأعمال العسكرية أو المشاركة فيها.
رابعًا: تقديم أية معلومات أخرى يطلبها الكونغرس.
ويلتزم الرئيس خلال فترة الأعمال العسكرية بتقديم تقرير واحد على الأقل كل (6) أشهر إلى الكونغرس. كما يلزم القانون الرئيس بإنهاء استخدام القوات المسلحة خلال (60) يومًا ما لم يعلن الكونغرس الحرب أو يأذن بتمديد فترة العمليات العسكرية، أو في حالة عدم قدرة الكونغرس على الاجتماع نتيجة هجوم مسلح على الولايات المتحدة. ويمكن للرئيس تمديد هذه الفترة لمدة (30) يومًا إضافيًا إذا استدعت الضرورة ذلك.
كما يجب على الرئيس سحب القوات في أي وقت إذا أصدر الكونغرس توجيهات بذلك بقرار مشترك. ويحدد القانون الآليات التي على الكونغرس اتباعها عند النظر في مشاريع القوانين المتعلقة بالتفويض باستخدام القوات المسلحة، والإطار الزمني الذي ينبغي الالتزام به أثناء التنفيذ. كذلك يسمح لأي عضو في مجلسي النواب أو الشيوخ بطلب التصويت على إلزام الرئيس بسحب القوات المسلحة من الأعمال العسكرية.
وقد حاول عدد من المشرعين الحفاظ على قدر من المرونة وتمكين الرئيس من الرد الفوري على الهجمات أو التعامل مع حالات الطوارئ، إلا أن الرؤساء رفضوا هذا القرار بحجة اعتباره انتهاكًا دستوريًا لصلاحيات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبعد انتهاء الحرب الباردة عام (1990) بدأت الولايات المتحدة الابتعاد عن التدخلات العسكرية الأحادية، وفضلت العمل في إطار الشرعية الدولية من خلال عمليات تصرح بها أو تدعمها الأمم المتحدة وفق قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي. واتخذ بعض الرؤساء قرارات الأمم المتحدة أو منظمة حلف شمال الأطلسي مبررًا للتدخل العسكري، وتم نشر القوات الأمريكية ضمن القوات الدولية في عدد من الدول مثل الكويت، والعراق، والصومال وغيرها.
ومع ذلك بادر الكونغرس إلى سن تدابير لتعزيز رقابته على مشاركة الولايات المتحدة في عمليات حفظ السلام، بما في ذلك فرض قيود عامة ومحددة على التمويل، وإلزام الرئيس بتقديم تقارير دورية بشأن العمليات الجارية والمتوقعة.
إن تنفيذ هذا القانون ملزم لكل من الكونغرس والرئيس، ومنذ صدوره شاركت القوات الأمريكية في العديد من الحروب، وقد التزم بعض الرؤساء بأحكامه، في حين أصدر آخرون أوامر عسكرية بتنفيذ هجمات خارج أراضي الولايات المتحدة تطبيقًا لصلاحيات الحرب، شملت دولًا مثل ليبيا والعراق ولبنان ويوغسلافيا وأفغانستان وغيرها، دون الحصول على موافقة الكونغرس.
وخلال الحرب الدائرة حاليًا بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون يقيد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب الحربية وينهي الهجمات على إيران، وذلك بمعدل 52 صوتًا ضد 48 صوتًا مؤيدًا لمشروع تقييد صلاحيات الرئيس.
وللتذكير فإن الدستور الأمريكي الصادر عام (1787) منح صلاحيات الحسم للرئيس في القرارات الكبرى، على الرغم من اعتراض الكونغرس على بعضها دون جدوى. ويرى غالبية المحللين ضرورة منح الكونغرس دورًا أكثر فاعلية أثناء الحروب والأزمات العسكرية، وإذا لم يحصل ذلك فقد يُطلب من المحكمة الفصل في النزاع بين الرئيس والكونغرس بصفة الاستعجال. وهذه هي آلية تطبيق قانون تقييد صلاحيات الرئيس.



