نظرة في سلطة القضاء الدستورية

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
يُلاحظ أن السلطة القضائية هي إحدى السلطات التي نصّ عليها دستور (2005)، إضافةً إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتتمثّل مهمة هذه السلطة في تحقيق العدالة وإنهاء المنازعات من خلال محاكم تتمتع بالاستقلال الكامل عند تطبيق القوانين والأنظمة التي تضمن سيادة القانون. كما تتميّز هذه السلطة، وبالذات القضاء، بالاستقلال الكامل والمطلق بعيدًا عن التأثير من قبل السلطتين أو من غيرها، وأن وظيفة هاتين السلطتين هي تمكين السلطة القضائية من ترسيخ العدالة بعيدًا عن التدخل في شؤونها.
وقد ضمن الدستور استقلالية هذه السلطة في مواده، إذ نصّت المادة (87) على أن:
(السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقًا
للقانون).
كما نصّت المادة (88) على أن:
(القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو
في شؤون العدالة).
أما المادة (89) فقد تضمّنت تكوين السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة
الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الإشراف القضائي، والمحاكم
الاتحادية الأخرى التي تُنظّم وفقًا للقانون.
وأما المادة (90) فقد نصّت على أن يتولى مجلس القضاء الأعلى إدارة شؤون الهيئات القضائية، وينظم
القانون طريقة تكوينه واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه.
في حين تضمّنت المادة (91) صلاحيات مجلس القضاء الأعلى.
أما المادة (92) فقد نصّت أولًا على أن المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليًا وإداريًا، وثانيًا
على تكوينها من عدد من القضاة والخبراء.
في حين تضمّنت المادة (93) اختصاصات المحكمة، وهي:
أولًا: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة.
ثانيًا: تفسير نصوص الدستور.
ثالثًا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الأفراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة.
رابعًا: الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات
والإدارات المحلية.
خامسًا: الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الأقاليم أو المحافظات.
سادسًا: الفصل في الاتهامات الموجّهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء، وينظم ذلك بقانون.
سابعًا: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.
ثامنًا:
(أ) الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير
المنتظمة في إقليم.
(ب) الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. أما المادة (94) فقد نصّت على أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتّة وملزمة للسلطات كافة. وتُعدّ سلطة القضاء سلطة اتحادية دستورية مستقلة، يمثلها مجلس القضاء الأعلى المستقل، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الإشراف القضائي.
ويُعدّ مجلس القضاء الأعلى الهيئة العليا التي تعمل وفقًا لقانون رقم (45 لسنة 2017)، ولحماية القضاة، ويمنحه هذا القانون دورًا قويًا في حماية الحقوق والحريات بعيدًا عن التدخلات السياسية ونفوذ الأحزاب والتنظيمات المنتشرة في عموم العراق.
ومن ضمانات استقلال القضاء، يُمنع على القاضي الانتماء الحزبي والسياسي لأية جهة كانت، لضمان الابتعاد عن التأثير والضغط والانحياز لمن يتوسط لديه.
كما تتولى السلطة القضائية مهمة تفسير النصوص الدستورية والقانونية عن طريق الأحكام التي تصدر من المحكمة الاتحادية العليا.
ويقوم القضاء، وبشكل عام، بواجبات يُكلّف بها من قبل مجلس القضاء الأعلى، على سبيل المثال الإشراف على الانتخابات العامة، أو المشاركة في اللجان التحقيقية مع بقية الوزارات ومؤسسات الدولة، أو انتداب عدد منهم إلى الأجهزة الأمنية، وإلى غير ذلك، بهدف تحقيق العدالة وسلامة التحقيق.
ونرى أن الاهتمام بتطوير القضاء الاتحادي، والتأكيد على استقلاليته ونزاهته في حماية الحقوق والحريات ومكافحة الفساد، واستخدام الأجهزة الحديثة من خلال الدورات التطويرية والقضائية عبر وسائل التدريب في المعهد القضائي العالي، واستخدام وسائل التحقيقات المالية والإدارية، من شأنه تعزيز كفاءتهم القضائية.
كما أن التأكيد على دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على دستورية القوانين لتعضيد دورها في حل النزاعات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم ومكافحة الفساد، والعمل بالتقنيات الحديثة في محاكم التحقيق ودوائر النيابة العامة، وبالتنسيق مع دوائر الرقابة المالية والبنك المركزي، يحقق قفزة نوعية في ترسيخ وتطبيق وتوحيد القرارات والأحكام القضائية.
إن توحيد الأحكام القضائية في عموم المحاكم الاتحادية أمر في غاية الأهمية في صناعة سوابق قضائية يُعتدّ بها، وتلزم المحاكم الأخذ بها تسهيلًا لإجراءات تحقيق العدالة.
ويبقى القضاء الاتحادي صمام الأمان، يواجه المطبات والتحديات في ظروف أمنية سيئة وأزمات سياسية معقدة، وعلى الرغم من الاتهامات التي تُوجَّه إليه، يبقى هذا القضاء رائدًا وقويًا في قراراته العادلة والمنصفة.



