لجنة الصناعة و الطاقة

رحلة التحول الرقمي في أنظمة الطاقة: نحو بنية سيبرانية–فيزيائية ذكية ومرنة

المهندس طارق زياد الجميلي
عضو لجنة الصناعة والطاقة
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

ألخلاصة

تشهد أنظمة الطاقة الكهربائية تحولًا جوهريًا نتيجة التطور المتسارع للتقنيات الرقمية وارتفاع متطلبات
الاعتمادية واستمرارية الخدمة. وقد أسهم انتشار البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات
السحابية، والأتمتة المتقدمة في دفع قطاع الطاقة نحو نموذج تشغيلي جديد يعتمد على الأنظمة
السيبرانية–الفيزيائية القادرة على التكيّف والاستجابة لحالات التشغيل الديناميكية.
يستعرض هذا المقال إطارًا منهجيًا لرحلة التحول الرقمي المكوّنة من خمسة مستويات، يهدف إلى تقييم نضج
البنية التحتية الكهربائية وتحديد المسار الأمثل للوصول إلى التشغيل الذاتي. كما يناقش الدور المستقبلي
للأنظمة السيبرانية–الفيزيائية في تعزيز مرونة الشبكات، وتحسين إدارة الأصول، ورفع كفاءة التشغيل،
وزيادة قابلية استيعاب مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى تأثيرها على الأمن السيبراني وحوكمة البيانات.
يُقدّم المقال رؤية علمية شاملة تساعد المهندسين وصنّاع القرار على فهم المسار المستقبلي لصناعة الطاقة
وتحديد القدرات المطلوبة لتسريع خطوات التحول الرقمي وتحقيق نقلة نوعية في أداء الشبكات الكهربائية

المقدمة

تشهد شبكات الطاقة حول العالم تحديات متزايدة نتيجة الارتفاع المستمر في معدلات الاستهلاك، وازدياد
متطلبات الاعتمادية، والميل المتسارع نحو دمج مصادر الطاقة المتجددة على نطاق واسع. ومع أن القطاع
شهد تحسّنًا ملحوظًا في قدرات المراقبة والتحكم خلال العقد الأخير، إلا أنّ العديد من الشبكات ما تزال تعمل
بقدرات محدودة من حيث الوعي الظرفي والتحليل اللحظي واتخاذ القرار المدعوم بالبيانات، الأمر الذي يُحدّ
من مرونتها في التعامل مع ظروف التشغيل المتغيرة.
كما يفرض الانتشار المتزايد لموارد الطاقة الموزعة—مثل الألواح الشمسية المنزلية، وتخزين البطاريات،
ومركبات الكهرباء—ضغوطًا إضافية على الشبكات التقليدية التي لم تُصمَّم أصلًا لإدارة تدفقات طاقة ثنائية
الاتجاه أو استيعاب مستويات عالية من التقلب. هذه التحديات المعقدة، إلى جانب تصاعد مخاطر الأمن
السيبراني وتزايد الحاجة إلى تشغيل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، تدفع بوضوح نحو تبنّي مسار استراتيجي
لتحويل الشبكات إلى أنظمة سيبرانية–فيزيائية ذكية أكثر قدرة على التكيف والتنبؤ والاستجابة.
هذا التحول لا يقتصر على تحديث البنية التحتية فقط، بل يشمل إعادة تصميم شاملة لطرق تشغيل الشبكات،
والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، والتوأمة الرقمية، وتحليلات البيانات المتقدمة. ويُعد الانتقال إلى هذا
النموذج المتكامل خطوة أساسية لضمان قدرة شبكات الطاقة على مواكبة المستقبل وتلبية احتياجات
المستهلكين والجهات التنظيمية على حدّ سواء.

إطار التحول الرقمي: مستويات النضج الخمسة

يقدّم الإطار التالي تصورًا تدريجيًا للتحول الرقمي في شبكات الطاقة، بدءًا من التشغيل التفاعلي وانتهاءً
بالتشغيل الذاتي الكامل.

المستوى الأول: الوضع التفاعلي (Reactive Mode)في هذا المستوى تُدار الشبكات اعتمادًا على البلاغات البشرية دون وجود آليات رصد لحظي. تكون
الاستجابة للأعطال بطيئة وتعتمد على الفِرق الميدانية، ما يؤدي إلى ارتفاع زمن الانقطاع وتراجع جودة
الخدمة.
المستوى الثاني: الوضع الاستجابي (Responsive Mode)
يتحقق تطور ملحوظ بفضل نظم SCADA وأجهزة تحديد الأعطال وإعادة الإغلاق التلقائي، حيث تبدأ
الشبكة في “الاستجابة” بدلاً من الاكتفاء برد الفعل.
المستوى الثالث: النمط التنبؤي (Predictive Mode)
تبدأ الشبكة بتحليل البيانات التشغيلية باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع توقع الأحمال والأعطال وتحسين
جدولة الصيانة. ينتقل المشغل من معالجة الأعطال إلى منعها قبل وقوعها.
المستوى الرابع: النمط التوجيهي (Directive Mode)
تفرض الأنظمة الذكية نموذجًا تشغيليًا قادرًا على إصدار توصيات تشغيلية شبه تلقائية مدعومة بالتحليلات
المتقدمة، مع تحسين الاستجابة للطوارئ عبر الحافة والسحابة.
المستوى الخامس: التشغيل الذاتي (Autonomous Mode)
يمثل أعلى درجات النضج الرقمي، حيث تعمل الشبكة ضمن منظومة سيبرانية–فيزيائية قادرة على التعلم
المستمر والتصحيح الذاتي وإعادة تشكيل تدفقات الطاقة دون أي تدخل بشري.

القدرات الأساسية الداعمة للتحول الرقمي
الأتمتة (Automation)
قدرة النظام على تنفيذ العمليات التشغيلية بدون تدخل بشري، مثل إعادة الإغلاق التلقائي للمغذيات أو العزل
الذكي للأعطال.
الوعي الظرفي (Situational Awareness)
قدرة الشبكة على فهم حالتها التشغيلية لحظيًا من خلال قياسات الجهد، التيار، جودة الطاقة، والأعطال
المحتملة.
الذكاء التشغيلي (Operational Intelligence)
تحليل البيانات التشغيلية للحصول على رؤى تساعد في اتخاذ قرارات مدعومة بالتحليلات، مثل التنبؤ
بالأحمال أو صحة الأصول.
المرونة(Resilience)
قدرة النظام على امتصاص الصدمات التشغيلية (أعطال، أحمال مفاجئة، عواصف) واستعادة الخدمة بسرعة
مع أقل خسائر.

حوكمة البيانات (DataGovernance)
مجموعة السياسات والمعايير التي تضمن جودة البيانات وأمانها، وتحدد كيفية استخدامها ومشاركتها بين
الأنظمة.
الأمن السيبراني(Cybersecurity)
حماية أنظمة التحكم والبنية التحتية من الهجمات السيبرانية، بما في ذلك التشفير، والتحقق، ورصد
التهديدات.
قابلية التشغيل البيني (Interoperability)
قدرة الأنظمة المختلفة — من شركات وموردين وتقنيات مختلفة — على التواصل وتبادل البيانات والعمل
بانسيابية باستخدام معايير موحدة.

العلاقة بين مستويات رحلة التحول الرقمي والقدرات الأساسية

 

اللون يحدد القدرة… لكن سُمك الخط هو المؤشر الفعلي لقوة الارتباط.
يمثل هذا الرسم الشبكي العلاقة بين مستويات رحلة التحول الرقمي (يسارًا) والقدرات الأساسية (يمينًا).
يعبّر سُمك الروابط ودرجة شفافيتها عن قوة الارتباط وأهميته النسبيّة: كلما كان الخطّ أثخن وأكثر وضوحًا،
كانت تلك القدرة أكثر حسمًا لتحقيق القدرات الأساسية

خريطة طريق عملية للتحول الرقمي حسب المستويات
المستوى التفاعلي
 نشر أجهزة القياس اللحظي وربطها بـ SCADA
 تركيب مفاتيح متحكم بها عن بُعد في النقاط الحرجة

المستوى الاستجابي
 توسيع نطاق FLISR
 تعزيز خطط إعادة التزويد وتخفيف الأحمال

المستوى التنبؤي
 تطوير نماذج تنبؤ بالأحمال والطقس
 بناء إطار موحّد لحوكمة البيانات

المستوى التوجيهي
 نشر أنظمة ADMS/DERMS المعززة بالذكاء الاصطناعي
 تعزيز الأمن السيبراني وتوسيع تكامل الأنظمة عبر واجهات API

المستوى الذاتي
 بناء منظومة ثقة رقمية متكاملة
 تفعيل التوأم الرقمي والتحكم المغلق ذاتيًا

مؤشرات الأداء الرئيسـية (KPIs)
 الأتمتة: نسبة المغذيات المؤتمتة
 الوعي الظرفي: زمن تحديث البيانات وتغطية القياس
 الذكاء التشغيلي: دقة التنبؤ ومؤشر صحة الأصول
 المرونة: SAIDI/SAIFI
 الأمن السيبراني: وقت اكتشاف التهديد ونسبة الامتثال
 قابلية التشغيل البيني: عدد واجهات التكامل المعتمدة

تأثير التحول التقني على الموثوقية والاستدامة
يمثّل التحول نحو الأنظمة السيبرانية–الفيزيائية محورًا أساسيًا لتعزيز كفاءة الشبكات وموثوقيتها، خاصة في
ظل التوسع الكبير في مصادر الطاقة المتجددة. ويسهم الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة في تحسين
اتخاذ القرار وترشيد التكاليف على المدى الطويل، مما يمهّد نحو قطاع طاقة أكثر استدامة ومرونة وقدرة
على إدارة المخاطر.

الخاتمة
إن التحول الرقمي في قطاع الطاقة لم يعد خيارًا استراتيجيًا، بل ضرورة حتمية لتعزيز قدرة الشبكات على
مواجهة التحديات المستقبلية. ومع تسارع الابتكار التقني، أصبح الانتقال إلى الأنظمة السيبرانية–الفيزيائية
الذكية خطوة أساسية لضمان التشغيل المستدام، وتحسين جودة الطاقة، واستيعاب موارد الطاقة المتجددة
بكفاءة عالية. يقدّم هذا التحول رؤية واضحة لمستقبل يعتمد على البيانات، ويتميز بالمرونة والموثوقية
والقدرة على التكيف مع المتغيّرات التشغيلية المعقدة.

ألمصدر:

Smart Cyber-Physical Power Systems, Edited by
Ali Parizad, 2025

صورة المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى