لجنة الادارة والاحصاء و التخطيط الاستراتيجي

التنمّر… قتلٌ بلا دماء واغتيالٌ للروح، حين نفرض معاييرنا على الآخرين ونحوّل اختلافهم إلى نقص يستحق السخرية

سناء داود الهاشمي

ماجستير ادارة اعمال
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

لجنة الإدارة والاقتصاد

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم “ يا أيها الذينَ آمنوا لا يَسخَر قومٌ مِن قَومٍ عسى أن يكونوا خَيراً منهُم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عسى أن يكُنّ خيراً مِنهُن ولا تَلمِزوا أنفسَكم ولا تَنابَزوا بالألقاب بِئس الاسم الفُسوق بَعدَ الإيمان ومَن لَم يتُب فأولئك هم الظالمونصدق الله العظيم “الآية رقم 11 من سورة الحجرات في القرآن الكريم

في طَبيعَةِ البشَر ، تَختَلِفُ زوايا الرؤية ، وَقَد تتشابَه زاوية البصَر ، لكن يَتبايَن بُعد البَصيرة ..

فكل مِنّا ينظُر إلى ما حَولهُ مِن أشخاص أو أشياء بعينِ فِكرِه ، ويَقيسَها بميزانِ ذوقِه وقيَمِه وهَواه ، كُل ذلك أمرٌ بديهيّ لا خِلافَ عَليه ..

لكن، أن يتجاوَز الشخص حدودَ رؤيتِه الخاصة ، ليَفرِضها على الآخرين ، ويَقيسَ قيَمَهُم وقيمَتهُم سواء إجتماعية أو ثقافية أو جماليّة ، وفقاً لمعاييرهِ الخاصة فهذا اختراقٌ لحدود الآخرين واعتداءٌ صريح عليها ..

لَم يَعُد إيذاء الناسِ لغَيرِهم مُقتَصِراً على المَرضى النّفسيّين والمُجرمينَ فقط، بل أصبَحنا جميعاً قتَلة مُقَنّعين ( إلا ما رحِمَ ربي) ، مِن خِلال الإنتِقاص مِن أشكالِ الآخرين أو مَكانَتِهم أو أفكارِهِم أو حتى أسلوب حياتِهِم، وأصبحنا نعقِدُ المُقارَنات القاسية بينَ أشخاصٍ مُختَلفين في بيئتِهم وتربيتِهم وقُدراتِهم في شتّى المجالات ، كأنّنا أمسَكنا زِمام ( المِثاليّة ) وأصبحنا النّموذَج ( الذي لا شَريكَ له) ، وأصبَحَ ما دونَنا شخصاً أدنى قيمة ..!

فكم رأينا أشخاصاً عرّضوا حياتهم للخَطَر بَعد تَعاطي أدويةٍ مُختَلِفة كي يُصبِحوا أكثَر رَشاقة أو أكثَرَ بياضاً أو أصفى بَشَرة ، أو غيّروا ملامحهم بعملياتٍ خطِرة ، فقط كي يَهربوا مِن انتِقادِ مَن حولَهم ومِن سُخريَتِهم الغَير مُبَرّرة ..؟

وكَم مِن طِفلٍ تم تعنيفهُ وأصيب بشتّى العِلَلِ النفسية لأنهُ ليسَ ذكيّاً كما قالت فلانة، ولا بارِعاً في هِواية كما لاحظت الجارة ، ولا مُطيعاً كما تُريدُ عِلّانة ..!؟

 

نَحكُم ونَنتَقِص بما يُقال له ( تنمّر ) دونَ تفكيرٍ بما ستتركهُ كلماتنا مِن أثَرٍ في نَفسِ المُقابِل ، وما تَحفُرُ فيهِ مِن ندوب، قَد يفقِد الثّقة بنفسِه وتقلّ فاعليّته في المجتَمع، وقد يُصاب بالإكتِئاب وينعَزِل إجتِماعيّاً، بل قد يصل به الحال إلى الإنتِحار ..

عدا عن هذا ، فإنه يخلقُ نوعاً من الضغينة والكُره بين الناس ويولّد العداء والحقد وعدم الأمان ويُضعف العلاقات الإنسانية القائمة على الإحترام ..

 

والتنمّر ليسَ حديثاً، إنما هو سلوكٌ قديم سواء كان جسدياً أم لفظيّاً ، وقصّة أخوةُ يوسف مثال لها،

بل أن العرَب قديماً مارست التّنمر ونظمتهُ في قصائد ( الهِجاء) ، التي كانت تشوّه سُمعة الفَرد وتَنتَقِص منهُ ، أو تحطّ مِن شأن قبيلَة ، لتضيعَ مكانتها بين ما حَولَها مِن القَبائِل ..

ومما ورَد في الهِجاء ، قول الفرَزدَق في هجاءِ رجلٍ كبير الأنف:.

 

لكَ أنفٌ يابن حربٍ

            أنِفت منه الأنوفُ

 

أنت في القُدسِ تُصَلّي

         وهو في البيتِ يطوفُ

 

وكذلك الحُطيئة الذي لم يترُك أحداً إلا وهَجاه،

هجى قَومَه وهجى والِدته ، وعندما لم يجِد مَن بهجو ، هجى نفسهُ قائِلاً :-

 

أبَت شَفتاي اليومَ إلا تكلّما

        بسوءٍ فما أدري لمَن أنا قائلهُ

 

أرى لي وَجهاً شَوّه الله خَلقهُ

        فقُبّحَ مِن وَجهٍ وقُبح حامِله..

 

في الوقتِ الحاضِر ، أصبحَت المُجتمعات تَنبذ التنمّر من جهة ، وتشجّع عليه بل وتدسّ أسبابه في المجتمع مِن جهة أخرى ، فأصبحَ يأتي مُمَنهجاً ومدروساً ، بل ومرتبِطاً بمصالح سياسيّة ثقافية تجاريّة ، عبر تصديرِ الأفكار والثّقافات وتحديدِ أنماط الجمال ومعايير النّجاح والقُبول ، في مُحاولةٍ لتَسليعِ الإنسان وسلخِهِ عَن آدميّته وطَبيعَتِه ، والتّرويجِ لمنتَجاتِ التّجميل والأدوية والسِلع ومراكِز التجميل التي أصبحت تِجارَةً لا تَكسَد  ، وذلك يَبدو جَليّاً في كُل ما يُطرَح في الواقع وعلى وسائِلِ التّواصلِ الإجتماعيّ مِن إعلاناتٍ وقوالبَ جاهِزة تَجعلُ الفَردَ يَشعُر بالنّقص والإختِلاف والنّبذ ، ويَعيشُ صِراعاً بينَ طبيعَتِهِ وبينَ ما يجِب أن يَكونَ عليه لكي يُقبَل في مُحيطِه ، وكي يكونَ مُطابِقاً للصورة السِلَعيّة التي يُرَوّج لها  ..

فالشكل أصبحَ يروّج له في قالب معيّن ، ونَمَطُ الحياة له اتّجاه محدد ، والهِواية وطريقة الكلام وأماكن الترفيه وكل مفاصل الحياة أصبحَ يُروّج لها داخل إطارٍ معيّن ، ومَن شذّ عنه ، طُرِدَ مِن القَطيع ..!!

رغمَ كُلّ ما وصَلَ إليهِ الإنسان مِن تقدّم ، لكنّنا نعيشُ أزمة وَعي، ونحتاج أن نبُثّ ثقافَةَ الإختِلاف ونَحتَرِم ما عليهِ الآخرون ، ونتَقبّلهم كما هُم ، لا كما يحكُم ذوقنا ..

نحتاجُ توعيةً للجيل ، بأن يَعتزّ بقيَمِه وخُصوصيّته الجماليّة والثقافيّة التي تُميّزه عن باقي الشعوب، وأن ليسَ كُل ما يُستَورَد مِن الخارِج صالحٌ لأن يُطبّقَ في مُجتمَعِنا أو يتَلائَم معَ ذَوقِنا العرَبيّ .. وأن شكل الإنسان هو هويّته التي تميّزه عن غيره بمعزل عن القوالِب الشّكلية التي أنتَجتها الصرعات الحديثة ..

كما يجب أن نَعي بأن كُل شيء خاضِع للنسبيّة بما في ذلك الجَمال ، وأن كل صِفةٍ في الإنسان ما هي إلا رِزقٌ من الله ، قد يَنعَم أحدهم بشكلٍ جميل لكن لا يملك الذكاء، وقد يتمتع أحدهم بالنجاح لكنه لا يملك القبول وخفّة الروح ، وهكذا .. فالكمال لله وَحده ..

وهُنا يأتي دور الأسرة أولاً في تربيةِ الأبناء على احترام الآخرين ورؤية ما حَسُنَ فيهم ، ثم دور المؤسسات في فرضِ قوانينَ صارمة ضد التنمّر .. واستحداثِ مؤسسات أخرى تتولى مهمة الدعم النفسي لمن تعرّضوا لهذا الأذى وإعادتهم إلى المجتمع كأشخاص مُنتِجين ودمجِهم مع أقرانهم دون إحساس بالنّقص..

كما يمكن إستخداث برامج ودورات إعلامية تثقيفيّة عبر المنصات المختلفة لنشر ثقافة التسامح وقبول الاختلاف..

أخيراً .. الراحِمون يرحمهُم الله

بكلمةٍ واحِدة نهدِمُ حياةَ إنسان ، ونجعل الموت أحبّ إليه مِن حياةٍ يعيشها بينَ رفضٍ واستِهزاءٍ مُستَمر ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى