من المسؤول عن شحة المواهب الرياضية في العراق؟

الأستاذ الدكتور إسماعيل خليل إبراهيم
نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
إن كان اللاعبون الكبار يمثلون حاضر أي لعبة رياضية ومستقبلها القريب فإن لاعبي الفئات العمرية يمثلون مستقبلها على المدى المتوسط والبعيد، وإن لاعبينا الكبار اليوم كانوا بالأمس في عداد لاعبي الفئات العمرية.
وهذا يضعنا أمام حقيقة مفادها أن لا مستقبل للرياضة إلا بالإهتمام بالصغار ورعايتهم وانتقاء المواهب من بينهم فهم الضمان الوحيد لمستقبل الرياضة العراقية.
ما الذي يحصل لدينا منذ سنوات؟
من وجهة نظر خاصة نقول أن أخطر ما حصل هو أن مصادر اكتشاف ورعاية الموهوبين قد تخلت عن دورها ومهامها طواعية بسبب تقصير القائمين على شؤونها، وهذه المصادر هي:
1 – المدرسة:
وهي التي يفترض أن تكون المكان الأول الذي يمارس فيه الصغار الرياضة على وفق أسس علمية صحيحة بإشراف معلمين ومدرسين مختصين ومؤهلين لأداء هذه المهمة على أكمل وجه، وكانت دروس التربية الرياضية والنشاطات اللاصفية من بين أهم محطات اكتشاف المواهب في مختلف اللعبات الرياضية وبدء مسيرة تطويرها وصقلها وهي مسيرة تستكمل حلقاتها ببناء تراكمي من خلال منهاج دروس التربية الرياضية الخاص بكل مرحلة دراسية وتدريبات الفرق الرياضية المدرسية التي تشارك في البطولات المدرسية وصولاً لمنتخبات التربية على مستوى المحافظات صعوداً لمنتخبات العراق المدرسية في مختلف اللعبات.
وكانت البطولات الرياضية المدرسية التي تقام سنوياً لجميع اللعبات الرياضية بدءاً من المرحلة الإبتدائية صعوداً تحضى باهتمام محبي الرياضة ومشجعيها وكذلك باهتمام كشافي الأندية الرياضة التي تبحث عن المواهب لضمها لفرقها الرياضية فضلاً عن الجمهور الغفير الذي كان يحضر تلك البطولات ويتذكر أسماء العشرات من لاعبي الأندية والمنتخبات الوطنية الذين كانت المدرسة والبطولات المدرسية هي التي عَرَفَت الجمهور والأندية بهم.
وكانت البطولات التي تقام سنوياً على مستوى منتخبات التربية لجميع المحافظات ولجميع اللعبات بمثابة ختلم العرس الرياضي المدرسي وكانت تحضى بالإهتمام والحضور الرسمي والشعبي، وللتذكير فإن منتخب شباب العراق الذي فاز ببطولة شباب أسيا عام ( 1977 ) ضم العديد من لاعبي منتخب العراق المدرسي الذي فاز ببطولة دورة الألعاب الرياضة المدرسية التي أقيمت في الاسكندرية عام ( 1975 ) وأصبح بعضهم فيما بعد من نجوم المنتخب الوطني العراقي.
لكن ما الذي حصل؟
منذ سنوات عديدة اختفت الرياضة المدرسية أو تكاد أن تختفي دروسها ونشاطاتها اللاصفية وبطولاتها على مختلف المستويات وبذلك أُغلِقَ أحد اهم مصادر اكتشاف المواهب الرياضية، وباتت فرق الفئات العمرية تتشكل من أنصاف الموهوبين أو أقل من ذلك وهو ما أثر وبشكل سلبي على مستوى جميع اللعبات الرياضية.
وهنا نتساءل عن دور وزارة التربية والمديرية العامة للتربية الرياضية في الوزارة ومديريات النشاط الرياضي في المحافظات وما الذي تقوم به من مهام الآن إن كانت المسؤولية الأولى والأساس لعملها قد أصبحت في طي النسيان؟
الملاعب الشعبية:
كانت الملاعب الشعبية ( وهي مساحات من الأرض لم تُشغَل ) المتنفس للألاف من الصغار والشباب لممارسة كرة القدم تحديداً، وَعَرِفَ الناس أسماء فرق شعبية في العديد من مناطق بغداد والمحافظات، وكان لها جمهور يتابع مبارياتها وأخبارها، وقدمت للأندية العديد من اللاعبين وكان كشافوا الأندية وعدد من أعضاء إداراتها يجوبون الملاعب الشعبية بحثاً عن المواهب، وكانت مباريات تلك الفرق تستقطب أحياناً جمهوراً لا يقل عن جمهور بعض مباريات الدوري، وكان لهذه الفرق من يرعاها ويدير شؤونها من محبي كرة القدم ويتولون الإنفاق عليها وكانت لها مقرات خاصة بها ولاسيما في المقاهي الشعبية.
وإذا ما تساءلنا اليوم عن الملاعب الشعبية سنجد غالبيتها قد تحولت إلى أبنية أومجمعات سكنية دون أن يفكر أحد من المختصين في التخطيط العمراني في توفير البديل لهذه الملاعب سواء في الأحياء السكنية أو المجمعات السكنية التي انتشرت في العديد من المناطق وبذلك فقد الصبية والشباب منفذاً أخر لممارسة هواياتهم وفقدت كرة القدم تحديدا مصدراً أخر كان يزودها بالمواهب، علماً أن دول العالم تضع هذه الملاعب ضمن أولوياتها سواء في التصميم الأساس للمجمعات السكنية وفي الحدائق العامة وتهتم بها كثيراً لأنها توفر الفرصة للجميع ليس لممارسة كرة القدم فقط بل للعديد من اللعبات الرياضية.
الأندية:
مقارنة بالمدارس والملاعب الشعبية فإن الأندية هي المكان الذي يفترض أن تُنَمى فيه المواهب وتصقل وتتطور ويعود ذلك لأسباب عدة منها وجود الملاكات التدريبية المتخصصة بكل لعبة، والعدد المحدود من اللاعبين الذين يتم تدريبهم، وتَوَفر البنى التحتية الجيدة والأجهزة والأدوات والتجهيزات الرياضية، وخضوع اللاعبين لوحدات تدريبية علمية ومنتظمة، وتَوَفر الرعاية الطبية والإهتمام بالجوانب التربوية والقيمية وما سواها من احتياجات وإمكانات ليس بإمكان المدرسة أو الفرق الشعبية تأمينها، إلى جانب المشاركة في المسابقات التي تقيمها الاتحادات الرياضية هو ما يوفر للاعبيها فرص الإحتكاك مع لاعبين مروا بمراحل التدريب والإعداد ذاتها وهو ما يفتقر له لاعبو المدرسة والفرق الشعبية.
إلى جانب ما تقدم فإن اختيار الصغار من قبل الأندية يتم عن طريق اختبارات متعددة للمتقدمين من أجل اختيار المواهب الأفضل من بين الأعداد الكبيرة التي تشارك في تلك الإختبارات.
هذا هو الدور الذي يفترض أن تقوم به أنديتنا، ترى هل تقوم بذلك حقاً؟
الجواب للأسف هو كلا ولاسيما في العقدين الماضيين إذ عانت فرق الفئات العمرية من الإهمال وأصبح وجودها في الأندية هامشياً والبعض منها قد لا تجد لها أثراً فيه وبذلك فقدت الرياضة العراقية مصدراً آخر من مصادر تزويدها بالمواهب.
الاتحادات الرياضية:
للاتحادات الرياضية مهمتان في مجال الفئات العمرية الأولى أنها المسؤولة عن تنظيم مسابقات هذه الفئات لكونها الميدان الذي تبرز من خلاله المواهب التي ستكون النواة لمنتخبات الفئات العمرية فضلاً عن أنها تكشف مدى جدية اهتمام الأندية بها ومدى كفاءة ملاكاتها التدريبية، ومن هنا بات على الاتحادات عدم التهاون مع الأندية التي تتخلف عن المشاركة في تلك المسابقات أو التي تتهاون في إعداد فرقها وإضهارها بالمستوى اللائق وإيقاع عقوبات مالية وإدارية عليها.
والمهمة الثانية للاتحادات هي مسؤوليتها عن إعداد المنتخبات الوطنية لهذه الفئات والتي تشارك في البطولات العربية والقارية والتي تمثل صورة المستقبل للرياضة العراقية وهو ما يجب أن تضعه الاتحادات نصب أعينها وأن تهتم بهذه المنتخبات وتوفر لها جميع متطلبات ومستلزمات النجاح وأن يتولى تدريبها أفضل الكفاءات التدريبية المتخصصة بتدريب الفئات العمرية وهي مهمة لاتعيرها العديد من الاتحادات الإهتمام الذي تستحقه، ولنا في واقعة تزوير أعمار اللاعبين وما رافقها من فضائح، وفي فشل العديد من ملاكاتها التدريبية في عملها أفضل مثال على ما ذكرناه.
إن عدم جدية الاتحادات في أداء مهامها تجاه فرق الفئات العمرية وضعنا امام حقيقة أننا لانجد فرق الفئات العمرية إلا من خلال العناوين فقط في الوقت الذي يؤشر واقع حالها صورة الإهمال المزدوج الذي تعانيه من الأندية والاتحادات على حد سواء.
المدربون:
وهُم المعول عليهم دون سواهم في اختيار الموهوبين وصقل مواهبهم وتشذيبها وتطويرهم بدنياً ومهارياً وخططياً وذهنياً وترسيخ الجوانب التربوية والقيمية في نفوسهم، لكن السؤال المهم هو: من يتولى تدريب لاعبي الفئات العمرية لدينا؟
قد لا يعلم البعض أن تدريب الصغار وعلى وفق فئاتهم العمرية هو تدريب تخصصي أي أن لكل فئة عمرية مدربون مختصون بها بمعنى أن تدريب هذه الفئة أو تلك ليس في متناول أي مدرب إذ لكل فئة عمرية متطلبات وشروط وضوابط ومناهج تدريب خاصة بها وتختلف عن مناهج الفئة التي تسبقها والتي تليها لكنها تكمل بعضها بعضاً فالتدريب بناء تراكمي.
ترى من يتولى تدريب لاعبي الفئات العمرية في انديتنا؟
تقوم الهيئات الإدارية في أنديتنا بتكليف لاعبيها المعتزلين بمهمة تدريب فرق الفئات العمرية وتعتبره وسيلة تكريم لهم في الوقت الذي نجد فيه مخاطرة كبيرة بمستقبل اللعبات الرياضية كافة مع كامل احترامنا وتقديرنا لجميع لاعبينا المعتزلين فالأمر وببساطة أبعد ما يكون عن تكريمهم أو تأمين مورد مالي لهم، ومكمن الخطورة الذي نتحدث عنه يعود إلى أن لاعبينا المعتزلين لا دراية أو معرفة لهم بعلم التدريب ووسائله وأساليبه ومتطلبات تدريب الفئات العمرية لذلك نرى أن مستويات اللاعبين لا تتطور بما يتناسب ومواهبهم أو بالمقارنة مع أقرانهم في دول العالم.
إن على إدارات الأندية إعادة النظر بهذا الأمر وأن تبحث عن وسائل أخرى لتكريم لاعبيها المعتزلين وأن تدرك أن فشلهم في التدريب سينعكس سالباً على صورتهم امام جمهورهم، وإن كانت الأندية حريصة على تولي لاعبيها هذه المهمة فعليها أن تختار من يمتلك المؤهلات والموصفات المطلوب توفرها في المدرب لاسيما وأن التدريب مهنة تتطلب توفر متطلبات ومواصفات خاصة في من يمتهنها، وعليها ان تسعى أولاً لتطويرهم وزجهم في دورات تدريبية داخلية وخارجية خاصة بتدريب الفئات العمرية وبغير ذلك فإننا نغامر بمستقبل لايملك أي منا حق المغامرة به.
وعلى الاتحادات واللجان الفنية ولجان المدربين فيها أن يكون لها موقف حيال هذا الأمر.
ختاماً نقول إن لم يتم تدارك هذه الأسباب والمعوقات وإيجاد الحلول لها فإننا سنخسر المزيد من المواهب وسيبقى مستقبل اللعبات الرياضية على كف عفريت وهو ما لا نتمناه لرياضتنا العراقية ومن المؤكد ان مسؤولية تدارك هذه الأسباب وإيجاد الحلول لها تقع على عاتق المسؤولين عن الرياضة في البلد كل من موقعه ومن خلال الهيئات الرياضية التي يتولون مسؤوليتها وبخلاف ذلك فإن عليهم ترك مواقعهم للقادرين على تدارك هذا الأمر وضمان المستقبل الأفضل للرياضة العراقية.
