لجنة الصناعة و الطاقة

رسالة الى عقلي الأصغر سنا حول الذكاء الاصطناعي

د. بشار عبد الجبار صالح بك

أستاذ مشارك ومهندس استشاري في هندسة الطاقة…

نائب الامين العام للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات

قبل حوالي ربع قرن، وإذ لم يعد التاريخ الدقيق حاضرًا في ذاكرتي.. كانت اول مرة أجد نفسي فيها امام مصطلح (مضحك حينها) اسمه «الذكاء الاصطناعي». حيث كان أقرب الى الحلم منه الى الحقيقة لكن إشارات من هنا وهناك كانت تتحدث عن دخول الالة والاتمتة الى حياتنا بقوة وسرعه ….. وكنت وسط هذه التنبؤات وتوقعات الباحثين أقول في نفسي … ما بال هؤلاء يعطون الالة أكثر مما تستحق ونحن من نغديها ونلقمها بالبيانات والمعلومات وهذا بلغة العلم تعني اننا المتحكمون!! وان معظم الذكاء الاصطناعي يدور حول الأساليب المعتمدة على البيانات: أي توظيف كميات هائلة من الكلمات والصور والأصوات وغيرها لبناء نماذج تتنبأ لتحقيق غاية بعينها. 

ولكي أكون اكثر دقة فان هذه الأساليب ليست وليدة اليوم؛ فقد كانت حاضرة في تسعينيات القرن الماضي وما قبلها، لكن ما تغيّر هو وفرة البيانات، والقوة الحاسوبية، والتطور الكبير في المنهجيات.

غير أن تفكيري لم يكن في جوهره منصبا حول هذه الأساليب، بل كان ينصب على محاكاة التقدير البشري في اتخاذ القرار، وتحديدًا قرارات مشغلي الأنظمة مع التفكير في البيئة التي نعيش وهو ما اعتز به دوما عند العودة إلى تلك الايام.

في السنوات القليلة الماضية.. كثيرا ما استوقفتني آراء الطلبة الشباب والباحثين حول اعتمادهم الذكاء الاصطناعي وإقرارهم بمنافع الأساليب المعتمدة على البيانات، الا ان البعض منهم كان يبدي وبفطنة رائعة شكا واضحًا في موثوقية النماذج اللغوية الكبيرة لتلخيص المعلومات المعقدة، وإحباطًا من اعتماد الكثير من الباحثين عليها من دون فهمٍ راسخ لماهيتها أو لآليات عملها، وقلقًا من استهلاك الذكاء الاصطناعي التوليدي للطاقة وما يعنيه ذلك لجهود خفض الانبعاثات.

نعم…. نحن نعيش اليوم موجة من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي وقد استقطب هذا الحماس كميات هائلة من الأموال، وسيستهلك بدوره كميات ضخمة من الطاقة.

نعرف جميعًا ان «الطاقة ركيزة أساسية في المجتمع الصناعي، ومن ثم فإن استخدامها بكفاءة مسألة بالغة الأهمية. غير أن مفهوم “الاستخدام الكفؤ” يُختزل كثيرًا فيما يحقق عائدًا مناسبًا على الاستثمار المالي في الأجل القصير. والتبعات الاجتماعية لذلك واضحة فقد نورث أبناءنا أرضًا مُستنزفة وسبل عيش لم يعد ممكنًا صونها. كما ينبغي أن نأخذ أيضًا في الحسبان كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وأن نستفيد من أي تطور تقني يتيح ذلك.»

ولا أزعم أنني أحيط تمامًا بما يجري: من قوة الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الاندفاع نحو بناء مراكز البيانات والأموال الهائلة التي تُضخ في هذا القطاع. لكن هناك سؤالين لا بد من طرحهما على أي شخص يزعم أن «الذكاء الاصطناعي» هو السبيل إلى معالجة تحدٍّ بعينه.

  1. هل تعرف مصدر البيانات التي دُرِّب عليها النموذج؟
  2. وهل يمكنك التمييز بين الحالات التي يستقرئ فيها نظام الذكاء الاصطناعي خارج نطاق البيانات، والحالات التي يستنبط فيها بين نقاطها؟

خلاصة نصيحتي اليوم أن الأساليب المعتمدة على البيانات قد تكون شديدة القوة وعظيمة النفع إذا استُخدمت في المواضع المناسبة وبالطرق الصحيحة. أما إذا كانت الإجابة عن أيٍّ من السؤالين السابقين هي «لا»، فلا تمنح ذلك النظام القائم على الذكاء الاصطناعي ثقتك الكاملة.

شخصيا…. ما أطمح إليه هو عالم لا يُعاق فيه التقدم التكنولوجي ولا يُكبح، بل يُنظر إليه بعين الفحص والتبصّر، ويُقاس بقدر ما يحققه من منفعة مستدامة للجميع. وإذا بدت تقنيات النظم الخبيرة قادرة على إحلال نفسها محل المشغّلين البشر، فلا ينبغي أن نسمح لها بذلك، إذ لا مكسب للمجتمع في اتساع البطالة. والأجدر بنا أن نتساءل كيف يمكن تسخير هذا التقدم لتحسين ممارسات التشغيل من دون إقصاء البشر، بل مع إعادة تأهيلهم والمساهمة في تطوير هذه الأنظمة نفسها.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى