المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة – بين النظرية والتطبيق

المستشار سعيد النعمان
عضو اللجنة القانونية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
الملفت للنظر أن المادة (51) التي وردت في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة منحت الدول حق الدفاع عن النفس، فرادى أو جماعات، في حالة وقوع عدوان مسلح عليها. ويبقى هذا الحق قائماً إلى حين اتخاذ مجلس الأمن الدولي الإجراءات اللازمة لوقف العدوان وحفظ السلم والأمن الدوليين، مع التزام الدول بإبلاغ المجلس فوراً بالإجراءات التي اتخذتها.
ولإيضاح ذلك، نورد نص المادة:
(ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي. والتدابير التي يتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تُبلَّغ إلى المجلس فوراً، ولا تؤثر بأي حال فيما للمجلس من صلاحيات بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة بموجب هذا الميثاق، في أن يتخذ في أي وقت ما يراه ضرورياً من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه).
ويلاحظ أن ترجمة هذا النص تعاني من قدر من عدم الدقة والتداخل، الأمر الذي يصعّب على القارئ فهم مقاصد المشرّع، ويفتح المجال للتأويل والتفسير بما يخدم مصالح الدول القوية على حساب الدول الضعيفة.
وعند تحليل مضمون المادة، يمكن الوقوف على جملة من النقاط الأساسية التي تقرّ بها وتعترف بها، وهي:
1ـ أن الدول متساوية دون استثناء، كبيرها وصغيرها، وتمتلك الحق الأصيل في الدفاع عن النفس.
2ـ أن هذا الحق لا يُمارس إلا في حال وقوع عدوان مسلح فعلي على دولة عضو.
3ـ أن الإطار الزمني لاستخدام هذا الحق ينتهي أو يُقيّد عند تدخل مجلس الأمن واتخاذه الإجراءات اللازمة.
4ـ التزام الدول بإشعار مجلس الأمن فور اتخاذ التدابير الدفاعية.
5ـ جواز ممارسة هذا الحق بشكل فردي أو جماعي ضمن تحالفات دولية.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن استخدام القوة في العلاقات الدولية، وفقاً لهذه المادة، يُفترض أن يبقى ضمن مسؤولية مجلس الأمن حصراً، مع السماح للدول باتخاذ تدابير مؤقتة لحين تدخله، دون المساس بصلاحياته وسلطاته.
إلا أن التطبيق العملي لهذه المادة لم يكن منصفاً ولا عادلاً، بل اتسم في كثير من الحالات بالتعسف والانحياز. وتشهد على ذلك الحروب والنزاعات التي اندلعت منذ إقرار الميثاق في 26 حزيران 1945، ودخوله حيّز التنفيذ في 24 تشرين الأول 1945 بعد تصديق الدول الخمس دائمة العضوية وأغلبية الدول الأخرى.
لقد استُخدم حق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) لخدمة مصالح الدول النافذة داخل مجلس الأمن، وبشكل مفرط ومتحيز، مستنداً إلى التهديد باستخدام حق النقض (الفيتو)، الأمر الذي أسهم في تأجيج النزاعات وغياب العدالة الدولية.
ومن أبرز مساوئ تطبيق هذه المادة:
1ـ بقاء المادة (51) دون تعديل منذ عام 1945، مع استمرار هيمنة الدول الخمس دائمة العضوية على تفسيرها وتطبيقها.
2ـ استخدام بعض الدول لهذه المادة كغطاء قانوني لشن هجمات خارج حدودها، لا علاقة لها بالدفاع عن النفس.
3ـ عدم تحديد مفهوم “الهجوم المسلح” بدقة، مما يفتح الباب أمام اجتهادات وتأويلات واسعة، خاصة في حالات الجماعات غير الحكومية.
4ـ استمرار حق الدفاع إلى حين تحرك مجلس الأمن، في ظل إمكانية تعطيل قراراته باستخدام حق الفيتو، ما يطيل أمد النزاعات.
5ـ غياب التوازن في استخدام القوة الدفاعية، مما يؤدي إلى ردود فعل غير متكافئة قد تتطور إلى نزاعات شاملة.
وخلاصة القول، فإن هذه المادة ذات وجهين؛ فهي من جهة تحمي حق الدول في البقاء، ومن جهة أخرى تُستخدم لتبرير استخدام القوة المفرطة في العلاقات الدولية.
كما يمكن إضافة جملة من الملاحظات المكملة، منها:
ـ الغموض في تعريف “الهجوم المسلح”، بما يبرر اللجوء إلى الضربات الاستباقية.
ـ ضعف الرقابة الدولية الفورية والفعالة من قبل مجلس الأمن.
ـ استغلال الدول الكبرى لهذا الحق لتبرير أعمال عدوانية.
ـ ادعاء أطراف متعددة حق الدفاع عن النفس دون تحقق شروطه، مما يعقّد الحلول الدبلوماسية.
وأخيراً، فإن المادة (51) بحاجة ماسة إلى إعادة نظر وتعديل، بعد ما يقارب ثمانين عاماً من تطبيقها، بما يضمن تحقيق التوازن والعدالة، وصيانة سيادة الدول التي تتعرض لعدوان بذريعة الدفاع عن النفس.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أبرز الحروب والنزاعات التي اندلعت خلال فترة تطبيق الميثاق، ومنها:
ـ الحرب الكورية
ـ حرب فيتنام
ـ الحرب العراقية الإيرانية
ـ الحروب العربية الإسرائيلية
ـ غزو العراق 2003
ـ الحرب في أوكرانيا
ـ والحرب الجارية حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فضلاً عن العديد من النزاعات الإقليمية الأخرى.



