متابعات في تداعيات الحرب مع إيران

بقلم أ.د. هاني الحديثي
استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية
22 نيسان 2026
مقدمة: في مشهد سياسي وعسكري شديد التعقيد، يجد دونالد ترامب نفسه مضطرًا لتمديد الهدنة، في حين ترفض إيران الدخول في مفاوضات لا تُراعى فيها شروطها ومحدداتها السيادية. وفي الخلفية، تقف الصين ودول حلف شمال الأطلسي إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في موقع الانتظار والترقب، استعدادًا للعب أدوار محتملة في مسار الأزمة. وفي الإطار الإقليمي، تتصاعد ضغوط القلق على كل من المملكة العربية السعودية وتركيا، في ظل تداعيات أمنية واستراتيجية غير محسوبة بالكامل. أما باكستان، فقد تجاوزت دور الوسيط التقليدي لتتحول إلى فاعل مباشر يسعى لمنع انهيار الهدنة وفتح قنوات تفاوض حقيقية بين الأطراف. أمام هذا المشهد المتشابك، تبرز تساؤلات جوهرية: إلى أين تتجه الأمور؟ وهل نحن أمام تهدئة مؤقتة أم إعادة رسم لمعادلات الصراع في المنطقة والعالم؟
الحرب الأمريكية – الإيرانية تدخل اليوم مفصلاً جديداً يختلف عمّا بدأت عليه في أول الأمر.
فالمقاصد تغيّرت، والفاعلون تباينوا، والعلاقات الدولية باتت تتحرك بين الحذر والترقب والتدخل.
الفاعلان الرئيسيان في هذه الحرب، وهما الولايات المتحدة وإيران، تختلف لديهما المقاصد عمّا أُعلن في بداية الأزمة وخلال الأسبوع الأول من الحرب، التي لم تكن كما وعد دونالد ترامب أربعة أيام.
الإدارة الأمريكية لم تحقق ما أعلنته في الأسبوع الأول، وبدلاً من إسقاط النظام، وصلت إلى مرحلة محاولة إقناع نفسها والآخرين بأنها حققت تغييرات جدية داخله. ومن ثم انتقلت إلى صفحة الدفاع، والسعي إلى فتح مضيق هرمز، وتحجيم القدرات النووية الإيرانية عبر فرض حصار على الموانئ الإيرانية، بدلاً من تحقيق أهدافها السابقة المتمثلة في إنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم، وتدمير برنامج الصواريخ، وقطع أذرع إيران في الإقليم، فضلاً عن مسعى تغيير النظام.
في المقابل، فإن إيران تغيّرت فعلاً، ولكن ليس بالاتجاه الذي رغبت به إدارة ترامب. فقد اختار الحرس الثوري الإيراني السيطرة على جميع مفاصل القرار من خلال تصعيد شخصيات أكثر تشدداً من التي تم استهدافها، مع تحجيم دور الرئيس مسعود بزشكيان، وكذلك تراجع دور التيار الإصلاحي ووزير الخارجية المقرب منه.
بل إن إيران ذهبت أبعد من ذلك بإعلانها أنها هي من يقرر توقيت المبادرة، سواء في الالتزام بالهدنة ووقف إطلاق النار، أو العودة إلى الحرب قبل أن يبادر الطرف الأمريكي بذلك، في تحول واضح في معادلة الردع. كما قررت عدم حضور جولة التفاوض في إسلام آباد إلا بشروطها الخاصة، وليس وفق شروط الإدارة الأمريكية.
أما باكستان، فقد تجاوزت دور الوسيط التقليدي، وانتقلت إلى مستوى التدخل الفعلي لدى الطرفين لمنع انهيار الهدنة. وقد نجحت في إقناع ترامب بتمديدها، وتسعى لإقناع إيران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، تفادياً لحرب قد تتجاوز آثارها حدود إيران وأعدائها لتشمل كامل محيطها الإقليمي عربياً وإسلامياً. وبهذا تفرض باكستان نفسها كقوة نووية فاعلة في قضايا الشرق الأوسط، وتسهم في رسم ملامح خريطة جديدة للمنطقة.
من جهتها، تنتظر الصين الفرصة المناسبة للعب دورها، إذ تجد نفسها بين معادلتين: القلق من تأثر إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها من إيران والخليج، وتأثير ذلك على نموها الاقتصادي، وفي الوقت ذاته الأمل في أن تضعف هذه المواجهة خصمها الأمريكي، بما يخدم مشاريعها الاستراتيجية مثل “الحزام والطريق” ونفوذها في بحر الصين الجنوبي.
أما تركيا فتقف في موقع الترقب الحذر، بين خشيتها من تفكك إيران وتأثير ذلك على أمنها القومي، وبين عدم رغبتها في خروج إيران قوية من الحرب، لما لذلك من تهديد لطموحاتها في آسيا الوسطى والمشرق العربي.
في المقابل، تشعر المملكة العربية السعودية، التي تقود منظومة التعاون الخليجي، بأنها في وضع مكشوف بعد فشل القواعد الأمريكية في ضمان الأمن الخليجي. بل تحولت هذه القواعد إلى عبء، إذ أصبحت مبرراً لاستهدافها بالصواريخ والطائرات المسيرة، سواء من إيران مباشرة أو عبر وكلائها في المنطقة، خصوصاً من الأراضي العراقية.
أما العراق، فيبقى الحلقة الأضعف في المشرق العربي، نتيجة تقاسم النفوذ الأمريكي–الإيراني داخله. فرغم إعلانه الرسمي الحياد، إلا أن الفصائل الموالية لإيران انخرطت في الحرب، ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات والضغط على الحكومة العراقية، في وقت تدرك فيه محدودية قدرتها على ضبط تلك الفصائل.
هذا الواقع يجعل العراق عرضة لمزيد من الضغوط، وربما إدخاله قسراً في ساحة الصراع، خاصة مع تقارير تشير إلى وجود منصات صاروخية إيرانية على أراضيه.
في ظل هذه المعطيات، تجد دول حلف شمال الأطلسي نفسها في موقف معقد؛ فهي لا ترغب في الانخراط في حرب جديدة، لكنها في الوقت ذاته متأثرة بتداعياتها، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد الأوروبي.
في ضوء ذلك، لا يبدو أن الأزمة تتجه نحو حل قريب، بل نحو توسع في نطاق تأثيرها إقليمياً ودولياً. وتبرز هنا جهود الوساطة، سواء من باكستان أو من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب استعدادات روسية وصينية للعب دور الوسيط.
أما المخاوف الخليجية، فتتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق أمريكي–إيراني يتجاوز الاعتبارات الإقليمية، ويمنح إيران نفوذاً أكبر، خاصة في مضيق هرمز، مقابل تنازلات محدودة في الملف النووي، على غرار اتفاق عام 2015.
وفي هذه الحالة، قد يتعزز النفوذ الإيراني في المشرق العربي، ما يشكل تهديداً طويل الأمد لاستقرار دول الخليج.
لقد أدركت دول الخليج أن إيران ليست شريكاً موثوقاً، وأن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها لم يعد كافياً، ما يدفعها إلى تنويع تحالفاتها باتجاه تركيا وباكستان، مع الحاجة إلى عمق عربي داعم.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يمتلك العالم العربي مشروعاً موحداً لمواجهة هذه التحديات؟
في ظل غياب هذا المشروع، واستمرار الصراع بين المشاريع الإقليمية، يبقى الأمن العربي هشاً ومخترقاً. ولا يمكن استعادة التوازن دون استعادة دور العراق كقوة محورية في المشرق العربي، وهو ما تؤكده جميع المعطيات الجيوسياسية والتاريخية.



