تأثيرات الحرب في إيران على التحول العالمي في الطاقة

د. بشار عبد الجبار صالح بك
استشاري الطاقة
نائب الأمين العام للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات
لقد شكلت الحرب الأخيرة في المنطقة والتي تعتبر الأهم عالميا في هذا الوقت صدمة كبيرة على مستوى الطاقة بأنواعها وسوقها العالمي خصوصا إمدادات الوقود الأحفوري من المنطقة والى العالم عبر مضيق هرمز والمنافذ المتاحة الاخرى.
لقد اتضح جليا خلال هذه الحرب المدمرة التي بدأت في 28 فبراير أن الصراع يخلّف عواقب إنسانية مدمرة، ويسبب الموت والإصابات والمعاناة في جميع أنحاء المنطقة. ومن منظور طاقي مجرد فإن تأثيراته المباشرة هائلة، كما أن عواقبه طويلة المدى على صناعة النفط والغاز، والاقتصادات الإقليمية والعالمية، وعلى وتيرة التحول في الطاقة ستكون كبيرة.
من دون معرفة مدة الصراع أو احتمالات عودة تصعيده، من الواضح أن استعادة الإنتاج ستستغرق وقتاً طويلاً، واستعادة الثقة وقتاً أطول. ومن المرجح أن يشهد العالم أسعاراً مرتفعة للنفط والغاز لفترة طويلة.
تؤثر صدمة الإمدادات الأحفورية الحالية على جميع الدول المستوردة للطاقة وخصوصا دول شرق اسيا التي تعاني بصورة أكبر من غيرها، وسيزداد دافعها لتقليل اعتمادها على واردات النفط والغاز.
اضطراب تاريخي مع عواقب طويلة المدى على أسواق الوقود الأحفوري
لقد أدى الإغلاق القسري لمضيق هرمز في 4 مارس إلى أكبر صدمة في إمدادات النفط والغاز في تاريخ الصناعة. وكما ورد في الوثائق الرسمية لأغلب منظمات الطاقة الدولية ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على ان : حوالي 20% من امدادات النفط والغاز المسال الى العالم يمر من خلال مضيق هرمز ، كما ان أكثر من 80% من هذه الشحنات كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية. وقد انخفضت هذه الحركة الآن إلى مجرد تدفق محدود. وظهر أسوأ الآثار على الدول ذات المخزونات المنخفضة من النفط والغاز وقدرة الدفع الضعيفة لأسعار السوق الفورية المرتفعة، مثل باكستان وبنغلاديش وسريلانكا.
لم يكن سوق النفط ضعيفا قبل الحرب، وكان من المتوقع حدوث فائض عالمي في الغاز هذا العام، لكن مع تعطل السعودية وقطر بسبب الحرب، فانه لا يوجد منتج بديل كبير قادر على سد النقص في المدى القصير أو المتوسط.
روسيا، التي تعمل حالياً تحت إعفاء مؤقت من العقوبات الأمريكية، ستسعى لملء جزء من الفجوة، لكن إنتاجها يمثل 4% فقط من النفط الخام العالمي و15% من إنتاج الغاز الطبيعي، مع قدرة محدودة على تصدير الغاز المسال.
الولايات المتحدة كانت تخطط بالفعل لزيادة صادرات الغاز المسال، لكن ليس بالكميات أو التوقيت المطلوبين حالياً. كما أن ارتفاع أسعار التصدير يضغط على الأسعار المحلية، وهو أمر غير مقبول لدى الناخبين قبل الانتخابات النصفية.
ورغم الإعلان عن إمكانية سلام وشيك وإعادة فتح جزئية أو تدريجية لمضيق هرمز مع ترتيبات أمنية أو تفاهمات سياسية، فان احتمالات إعادة التصعيد السريع قائمة، مما يزيد مخاطر تضرر عمليات الإنتاج والتصدير في المنطقة، بما في ذلك منشآت إيران نفسها.
لقد تأثرت البنية التحتية لأضرار كبيرة مع بقاء أكثر من 40 منشأة متضررة يحتاج برنامج إصلاحها الى وقت قد يطول اعتمادا على حجم الضرر وسرعة الإنجاز.
أن سيطرة إيران على مضيق هرمز ستضيف أخطار دائمة على منطقة الخليج العربي حيث علمتنا التجارب ان لا ضمانات دائمة مع وجود إيران على المضيق ما لم تتشكل إرادة دولية تجبرها على ان يكون المضيق ممرا حرا للتجارة الدولية.
أدى الأثر الاقتصادي للحرب وانخفاض إمدادات الغاز المسال والنفط الخام من المنطقة إلى تغذية التضخم، ومن المتوقع حدوث زيادات في أسعار الفائدة وانخفاضات في الناتج المحلي الإجمالي، حيث تعتمد قطاعات اقتصادية واسعة على النفط والغاز، بما في ذلك إنتاج الأسمدة، مما يهدد الأمن الاقتصادي العالمي، كما تأثر الشحن البحري العالمي كذلك بشدة، مع آلاف السفن العالقة في الخليج أو مضطرة للالتفاف حول إفريقيا. حيث ترتفع أسعار زيت الوقود وتكاليف التأمين، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل لجميع أنواع الشحن.
قطاع الطيران لا يستثنى من الضرر فقد تلقى ضربة ثلاثية تتمثل في ارتفاع التكاليف، زيادة عدم اليقين، وتعرض مراكز رئيسية في الخليج لأضرار مباشرة.
إضافة الى كل ذلك فان معظم دول الشرق الأوسط ستتلقى ضربة اقتصادية قاسية، ليس فقط بسبب الأضرار المباشرة، بل أيضاً بسبب تراجع الثقة في الخليج العربي كوجهة اقتصادية وسياحية.
الدول المصدرة للنفط والغاز خارج الخليج العربي ستستفيد، لكن هذه الفوائد قد لا يشعر بها المواطنون الذين يدفعون أسعاراً مرتفعة للوقود ، فروسيا مثلا ستتجنب الخصومات الكبيرة على صادراتها لفترة، وستستفيد من الأسعار المرتفعة رغم ثبات حجم الإنتاج. اما الصين فأنها قد تتأثر سلبا على المدى القصير لكن صناعاتها ستستفيد لاحقا، وستعاني الدول المستوردة، خصوصاً الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
أمن الطاقة والتحول الطاقي في ظل الصراع:
ان الصراع الحالي في المنطقة والشرق الأوسط عموما أثر سلبا على سوق النفط والغاز بشدة، وقد تعرض مبدأ امن الطاقة لصدمة قوية تذكّر أوروبا وآسيا بهشاشة الاعتماد على النفط والغاز، وعزز ذلك إدراك ضرورة إيجاد مصادر مساعدة او بديلة للاعتماد عليهما، وان عليها إطلاق برامج لتسريع عمليات التحول الطاقي نحو الطاقات المتجددة والبطاريات والطاقة النووية إضافة الى مبدأ رفع كفاءة الطاقة، ضمن إطار “إصلاح مسار” وليس إعادة تشكيل كاملة للنظام، مع بقاء حيز كبير للغاز كوقود انتقالي مع ضرورة القيام بتسارع ملحوظ في التحول نحو المركبات الكهربائية، ومشاريع تخزين الكهرباء بالبطاريات، إضافة الى تعزيز شبكات الكهرباء.
هنا التحول لن يكون سهلا لأنه محكوم بقيود عديدة منها ارتفاع أسعار الفائدة مما يرفع تكلفة تمويل مشاريع المتجددة والشبكات. إضافة الى ان بعض الحكومات قد تؤجل مشاريع بسبب ضغوط الميزانية، لكن الاتجاه الاستراتيجي يبقى نحو تقليل الاعتماد على النفط والغاز.
ان قراءة سريعة لسوق الطاقة النظيفة اثناء الازمة الأخيرة تشير الى ان سوق الطاقات المتجددة لم يتأثر بل شهد نموا ملحوظا فقد شهدت أسهم الشركات الصينية الرائدة في قطاع الطاقة النظيفة ارتفاعاً كبيراً، متفوقة على عمالقة النفط العالميين وتهيمن الصين حاليا على يقارب ال 80% من الطاقة الإنتاجية العالمية للألواح الشمسية، إضافة الى سيطرتها على سوق بطاريات السيارات الكهربائية، وكأمثلة على ما نقول فقد ارتفع سهم عملاق البطاريات (CATL) بنسبة 19%، وارتفعت اسهم عملاق السيارات الكهربائية (BYD) بنسبة 21.9 %، كما ارتفع سهم شركة الطاقة الشمسية (Sungrow) بنسبة 19.4%.
هذه المكاسب تجاوزت ما حققته شركات النفط الكبرى (مثل إكسون وشيفرون) رغم ارتفاع أسعار النفط بنسبة 47% خلال الفترة نفسها.
لكن التحول الطاقي عملية طويلة، وتغيير مزيج الطاقة الوطني يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد تكلفة رأس المال.
مما تقدم وسواء نجحت المفاوضات او تعثرت فان هذه الازمة اشرت مجموعة نقاط أساسية:
- يبقى “الاعتماد على النفط والغاز المستورد” مخاطرة استراتيجية واضحة.
- يتعزز موقع الطاقة المتجددة والنووية وكفاءة الطاقة كأدوات لأمن الطاقة، وليس فقط للمناخ.
- ضرورة التسريع في عمليات التحول الطاقي رغم ان ارتفاع الفائدة وضغوط الميزانيات قد يبطئ التنفيذ في بعض الدول.
- إعادة تنظيم أولويات الحاجة للوقود الاحفوري وخصوصا في تخصيص النفط والغاز للقطاعات التي لا بديل لها حاليًا (الطيران، الشحن، الصناعات الثقيلة).
- ضرورة تسريع كهربة النقل البري والتدفئة والمباني.
العراق وضرورة التحول نحو الطاقة النظيفة
يتمتع العراق بوفرة أشعة الشمس مما يجعله من الدول الواعدة في المنطقة في مجال الطاقة النظيفة. ولهذا السبب، تُعدّ الطاقة الشمسية حاليًا الخيار الأسهل والأكثر جاذبية للاستثمار.
هذه التقنيات متطورة وموثوقة وقادرة على إنتاج كهرباء بأسعار معقولة. كما يمكن ربطها مباشرة بالشبكة الوطنية، وعادةً ما تعمل بموجب اتفاقيات طويلة الأجل، مما يمنح المستثمرين دخلاً ثابتًا ومضمونًا.
يحتاج العراق إلى مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة، ، ومرافق لتحلية المياه، وأنظمة تخزين، ومحطات تصدير. إلا أن هذه المشاريع ستستغرق وقتاً، وتتطلب استثمارات ضخمة، ودعماً قوياً، بما في ذلك الحصول على تمويل مناخي للمساعدة في خفض التكاليف والمخاطر.
في الوقت نفسه، على الحكومة تقليل الاعتماد على الطاقات الاحفورية من نفط وغاز من خلال توسيع نطاق الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتحسين شبكة الكهرباء، والاستثمار في تخزين الطاقة، وتعزيز مرافق استيراد الغاز . تهدف هذه الخطوات إلى جعل نظام الطاقة أكثر استقرارًا وأمانًا.
خلاصة:
لقد ابرزت هذه الازمة أهمية إيجاد منافذ متعددة للطاقة واعتماد مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية كطاقات داعمة ومساندة للمصادر التقليدية من نفط وغاز وبما يتوافق ومبادئ أمن الطاقة.
مع هذه الحرب ومع تصاعد الأزمات الجيوسياسية وما يصاحبه من ارتفاع في أسعار الوقود الاحفوري عامة والنفط والغاز خاصة وأزمة نقل الوقود الى الجهات المستفيدة …لم تعد التحولات في قطاع الطاقة مجرد متطلب بيئي أو توجه اقتصادي مترف، بل أصبح متطلبا هاما من متطلبات الاستدامة ومواجهة حتمية لاي اضطراب في النظام الدولي وهنا سيبرز دور الطاقات النظيفة تحديدا كعامل من عوامل الدعم والحماية لمنظومة الطاقة الدولية مما قد يعيد تشكيل الأسواق ورؤية الدول تجاه مستقبل الطاقة ودورها في تحقيق الأمن الاستراتيجي.
لكن هذا التحول الطاقي ليس بلا تكلفة، فارتفاع أسعار الفائدة يزيد تكاليف رأس المال، كما أن التنويع يحتاج إلى وقت، لكن مخاوف أمن الطاقة ستعزز في النهاية التوجه الحتمي نحو الطاقة المتجددة، البطاريات، الطاقة النووية، وكفاءة الطاقة



