قراءة أولية للمفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد

بقلم أ.د. هاني الحديثي
استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية
11 نيسان 2026
تكتسب جولة المفاوضات المنعقدة الآن في إسلام آباد بين الوفدين الأمريكي والإيراني أهمية خاصة واستثنائية لاعتبارين أساسيين:
الأول: أنها تتم بين الطرفين بوساطة باكستانية، إثر حرب مدمرة تركت تداعياتها الخطيرة على مجمل الوضع الاقتصادي الدولي، فضلًا عن تداخل الخنادق في محيط الحرب إقليميًا.
الثاني: طبيعة الوفدين المتحاربين، حيث تم الحضور بشخصيات مرموقة وعلى مستوى رفيع داخل الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني، يرافقهم (وهنا مسألة مهمة جدًا) عشرات الفنيين والخبراء في المجالات ذات الصلة بالتفاوض، وخاصة في الجانب الاقتصادي والنووي ومختلف المجالات الأخرى، حتى قيل إن مجموع الفنيين الذين بدأوا عملهم فورًا، حسب اللجان المشكلة، يزيد عن 180 فنيًا من كلا الطرفين، الأمر الذي يوحي بوجود اتفاقيات فنية مسبقة حتى قبل بدء المفاوضات السياسية بين الطرفين، وبحضور باكستاني رفيع المستوى.
تتم هذه المفاوضات مع بداية الهدنة المؤقتة لمدة أسبوعين، إلا أن طبيعة المطالب التي يعلنها الجانبان، توافقًا و(أو) اختلافًا، تعطي انطباعًا أوليًا بأن المفاوضات يمكن أن تستمر أكثر من هذه المدة، ولذلك فإن تمديد الهدنة عند الحاجة سيكون أمرًا متوقعًا جدًا، خاصة أن هناك إجماعًا دوليًا على ضرورة التوصل إلى اتفاقيات شاملة.
إن الهدف المعلن بالنسبة للولايات المتحدة لا يقتصر على وضع حد، وبضمانات، لبرنامج إيران النووي والصاروخي، وتعديل سياسة إيران الخارجية، وعدم التعرض مستقبلًا للاقتصاد العالمي من خلال مساعي التحكم بالملاحة الدولية في مضيق هرمز، بل إن الأهم من ذلك هو تحقيق تعاون تستطيع من خلاله الولايات المتحدة الاستثمار الواسع في المعادن والإعمار داخل إيران، وإبعادها عن محور الصين الذي يشكل هاجسًا يؤثر على موقعها العالمي في إطار النظام الدولي.
ويأتي ذلك في سياق تأكيدات متعددة المصادر عن الدور الصيني في إعادة بناء القدرات التكنولوجية الإيرانية، المهددة للأمن الاقتصادي الأمريكي، وكذلك للأمن العسكري في الشرق الأوسط، لاعتبارات جيوإستراتيجية معقدة.
لذلك فإن الصين موجودة ضمنًا في هذه المفاوضات، وتؤدي دورها بشكل غير مباشر، سواء عبر شريكتها إيران أو من خلال حليفتها الوسيط في المفاوضات، باكستان، التي بدورها ترتبط مع الولايات المتحدة بروابط وشراكات حيوية، مكنتها تاريخيًا من لعب دور الوسيط في العلاقات الأمريكية، بل وإعادة تجسير العلاقات بينهما في أوائل عقد السبعينيات، وأن تكون سببًا في إقامة علاقات دبلوماسية بينهما، من خلال ترتيب اللقاءات الدبلوماسية التي نفذها هنري كيسنجر، والتي قادت نحو اعتراف أمريكي بالصين عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، وافتتاح علاقات واسعة الآفاق مستمرة حتى الآن.
ومن الطبيعي أن نتائج ما تسعى له الولايات المتحدة في هذه المفاوضات تتأثر بمقاصد أصدقائها وحلفائها في عموم منطقة الشرق الأوسط، والذين دخلوا الحرب بشكل أو بآخر، مثل إسرائيل وبلدان الخليج العربي.
من جانب آخر، فإن إيران لها مقاصد أساسية تتمثل في الحفاظ على تماسك النظام السياسي، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحقيق التنمية التي تأثرت بشكل كبير بتداعيات الحصار المفروض عليها، فضلًا عن ضرورة الحفاظ على دورها كقوة إقليمية فاعلة، وهو أمر يصعب إنجازه دون رفع العقوبات عنها ورفع الحظر عن أرصدتها الخارجية، وهو ما يعزز من فرص العمل الواسعة لاستثمار الشركات الأمريكية وغيرها داخل إيران، والتي قُدرت بما لا يقل عن ستة تريليونات دولار.
ويبدو ذلك واضحًا في إصرارها على طرح مطالب قابلة للتوافق، قدر المستطاع، في المفاوضات مع الطرف الأقوى في هذه الحرب.
إن إيران في مطالبها لا تستند فقط إلى قدراتها ومقوماتها الداخلية المدعومة بأهميتها الجيوبولتيكية، بل كذلك إلى الدعم الروسي والصيني، وارتباط العديد من وكلائها الإقليميين باستمرار فاعليتها إقليميًا.
وقد وجدت روسيا في الحرب فرصة لزيادة صادراتها النفطية من خلال إعفاءات محدودة من العقوبات المفروضة عليها، في الوقت ذاته الذي تم فيه الكشف عن استمرار تزويدها لشريكتها إيران بمنظومات تسليح متطورة، فضلًا عما قدمته لها أقمارها الصناعية من معلومات عن مواقع تحرك الأساطيل الأمريكية، في إطار استهداف الصواريخ لها، وهي خطوة تفرض نفسها على مستقبل الحرب في أوكرانيا، وتسهم في تحجيم الدور الأوروبي في فرض أجندته في أزمة استمرار الحرب.
وفي الوقت ذاته، تأكد تفاعل الوكلاء الإيرانيين في البلدان العربية مع طهران، وتنفيذهم للأجندة الإيرانية كما هو مخطط لها تحت لواء وحدة الساحات، لذلك نجد أن إيران تشترط في تنفيذ الاتفاقيات مع الولايات المتحدة وقف الحرب الإسرائيلية على حزب الله، بوصفه ذراعها العسكري الأكثر فاعلية خلال عقدين من الزمن.
تأسيسًا على ما تقدم، يبدو أن المشهد يتجه نحو سيناريو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران، بقيادتها التي تصفها الإدارة الأمريكية بـ”القيادة الجديدة”.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف سيكون السلوك السياسي الخارجي لإيران تجاه المحيط العربي بعد كل ما حدث؟
الجواب افتراضي ويتقبل وجهات النظر، إلا أنه يمكن القول إن إيران، من حيث المبدأ، لا تستطيع التخلي عن عقيدتها الأيديولوجية القائمة على مبدأ تصدير الثورة، لكنها قد تعمل على تكييفها سياسيًا تبعًا للمتغيرات الحالية، بذات النفس الذي كانت مستعدة له بعد انتهاء الحرب العراقية–الإيرانية، لولا متغير اجتياح العراق للكويت، حيث أعيد فتح البوابات أمامها بشكل أوسع، مما أتاح لها تجديد وسائل التدخل وتصعيد النفوذ في عموم المحيط العربي، كفرصة تاريخية لاستعادة دورها، وهو ما تحقق بالفعل.
لذلك، من المتوقع أن تكون إيران، في حال حصول اتفاق شامل، أكثر براغماتية في التعامل مع محيطها الإقليمي، وبنسب متفاوتة تبعًا لطبيعة وقدرات وكلائها.
ومن جانب آخر، يبرز سؤال آخر يتعلق ببلدان المحيط الإقليمي المتضررة من الحرب: ما العمل؟
في هذا السياق، ينبغي التمييز في حالة إسرائيل باعتبارها شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في الحرب، حيث استطاعت تحقيق جزء كبير من أهدافها، بما يؤدي إلى إعادة تموضع إيران إقليميًا بشكل لا يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي مستقبلاً، تمهيدًا لتحجيم دور حزب الله، خاصة بعد التوغل جنوب لبنان وتهجير أعداد كبيرة من حاضنته الاجتماعية، والاستعداد للحد من قدراته العسكرية.
أما الدول العربية في مشرق الوطن العربي، وتحديدًا بلدان الخليج العربي، فقد وجدت نفسها أمام واقع التهديد الإيراني المباشر وغير المباشر عبر الوكلاء، في ظل عدم كفاية الحماية التي توفرها القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مما جعلها عرضة لمخاطر جدية تمس مقدراتها الحيوية.
وعليه، تبدو هذه الدول مدعوة إلى إعادة تفعيل منظومتها الإقليمية عبر شراكات متعددة الأطراف، من بينها:
أولًا: تفعيل شراكتها الاستراتيجية مع باكستان وتركيا.
ثانيًا: توسيع إطار منظومتها الإقليمية لتشمل سوريا والأردن واليمن.
أما مصر، فمن وجهة نظر الكاتب، لم تبدِ الكفاءة المطلوبة في التعامل مع بلدان الخليج العربي كظهير استراتيجي، إذ انكفأت على ذاتها بفعل التزاماتها وأزماتها الداخلية والإقليمية، خاصة التهديدات القادمة من إثيوبيا، وتأثيراتها على الأمن المائي، إضافة إلى تحديات الملاحة الدولية في قناة السويس، فضلًا عن مواقفها تجاه سوريا واستمرار التوتر في علاقاتها مع تركيا، رغم بعض مؤشرات التقارب، وهو ما يفتح الباب أمام تغييرات جيوبولتيكية محتملة في طرق الملاحة الدولية.
ويبقى العراق، ضمن بلدان المشرق العربي، ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، رغم موقعه الجيوإستراتيجي المهم، بسبب النفوذ الإيراني واسع النطاق فيه، وفاعلية الوكلاء في التأثير على أمن بلدان الخليج وسوريا في آن واحد، مما يجعله عرضة لمختلف السيناريوهات، ما لم يتم العمل على إعادته إلى محيطه العربي عبر أدوار فاعلة من الولايات المتحدة وبلدان الخليج.
وفي ضوء ذلك، فإن كل ما سبق يبقى مرهونًا بنتائج هذه المفاوضات، التي تبدو، تحت ضغط المعطيات، متجهة نحو اتفاق شامل، قد يشكل نقطة تحول كبرى في إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط.




