لجنة الادارة والاحصاء و التخطيط الاستراتيجي

من الخوف المشترك إلى الحاجة المشتركة: لماذا أصبح “الناتو العربي” ضرورة لا غنى عنها في ظل سقوط النظام الإيراني

الدكتور علي محمد الجسام

العضو المؤسس في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

لجنة الإدارة والمحاسبة والاحصاء والتخطيط الاستراتيجي

أن فكرة تشكيل تحالف عسكري عربي جماعي، يُشار إليه بـ”الناتو العربي”، كاستجابة استراتيجية لتحوّلات جيوسياسية كبرى في الشرق الأوسط، وخاصة في سيناريو افتراضي يتضمن انهيار النظام الإيراني. ويبدو أن الحاجة لهذا التحالف لم تعد نابعة فقط من “الخوف المشترك” من التهديد الإيراني، بل من “حاجة مشتركة” لإدارة الفراغ الأمني الخطير الذي قد يخلفه هذا الانهيار.

 أن جذور الصراع وآليات التعاون الفاشلة بين السعودية وإيران على القيادة الإقليمية، والذي تعمّق بعد الثورة الإيرانية عام 1979. تحول هذا الخلاف من منافسة دبلوماسية إلى صراع أيديولوجي ومذهبي وعسكري، تجلّى في ساحات متعددة: اليمن، سوريا، العراق، ولبنان، حيث بنت إيران شبكة من الحلفاء المدعومين عسكرياً ومالياً.

في مواجهة هذا التحدي، تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 كرد فعل على التهديدات الإيرانية والعراقية، لكنه عانى من قيود هيكلية، أبرزها هيمنة مبدأ السيادة واعتماد آلية “الإجماع” في اتخاذ القرار، مما حدّ من قدرته على تنفيذ سياسات دفاعية حاسمة. كما ظلت الدول العربية تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة كقوة حامية، بينما بدأت مؤخراً تظهر بوادر تعاون إقليمي جديد عبر “اتفاقات إبراهام” عام 2020.

السيناريو الاستشرافي الذي نتوقعه هو سقوط إيران وتداعياته على المنطقة

 ستكون مركباً يتكون من أربع مكونات مترابطة:

انتهاء الحرب الإيرانية-الأمريكية: ما قد يحرر إيران من الضغط الخارجي ويعيد تشكيل المعادلات الإقليمية.

زوال النظام الإيراني: عبر انتفاضة داخلية أو تدخل خارجي، مما يفقد النفوذ الإيراني هيكله الإقليمي.

تقسيم إيران: نتيجة لتعدد قومياتها (فرس، أكراد، عرب، بلوش)، مما قد يخلق فراغاً أمنياً هائلاً وموجات لاجئة وصراعات عابرة للحدود.

انحسار الفكر الشيعي: كقوة دافعة للتوسع الإقليمي، رغم احتمال استمرار نفوذه عبر حلفاء محليين.

هذا المزيج يحول التهديد من “دولة معادية” إلى “فوضى واسعة النطاق”، مما يجعل فكرة “الناتو العربي” ضرورة لإدارة الفراغ وليس فقط لمواجهة عدو محدد.

وتظهر دوافع حقيقية لتشكيل التحالف: من الدفاع السلبي إلى الإدارة النشطة في ظل هذا السيناريو، تبرز خمسة دوافع استراتيجية ملحة:

إدارة الفراغ الأمني: توفير آلية إقليمية للتخطيط المشترك والاستجابة للأزمات الحدودية، وانتشار الأسلحة، وتدفقات اللاجئين.

الحفاظ على الاستقرار الإقليمي: منع انتقال الفوضى الإيرانية إلى دول ذات موازين طائفية هشة مثل العراق والبحرين.

تعزيز السيادة والاستقلال الاستراتيجي: بناء ثقل إقليمي يقلل الاعتماد الأحادي على القوى الخارجية، ويمكن المنطقة من اتخاذ قراراتها بشكل مشترك.

مواجهة التهديدات غير التقليدية: مثل الحرب السيبرانية، والأسلحة البيولوجية، والإرهاب المتطرف، التي تتطلب تعاوناً تقنياً واستخباراتياً عالي المستوى.

توفير شرعية قانونية: لإجراءات إقليمية ضرورية في ظل غياب نظام رسمي في إيران، ضمن إطار اتفاقي يحمي من الاتهامات بالتدخل غير الشرعي.

التحديات الجوهرية: لماذا قد يفشل المشروع؟

رغم المنطق الاستراتيجي، يواجه “الناتو العربي” عقبات كبرى: التحدي يمثل جوهر المشكلة وضعف الثقة وعدم الاستقرار السياسي

هيمنة المصالح الوطنية الضيقة والمنافسة بين النخب الحاكمة (مثل الأزمة الخليجية 2017-2021).

الافتقار لهياكل مؤسسية ملزمة

اعتماد المنظمات الإقليمية على “الإجماع” وسيادة الدولة، مما يعطل التنفيذ (نموذج مجلس التعاون الخليجي).

تضارب الأولويات الأمنية

اختلاف التهديدات التي تواجه مصر (ليبيا، سيناء) عن دول الخليج (إيران، الفراغ الأمني).

العقبات القانونية الدولية

تعارض التدخل الإقليمي وفق ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

التحديات العملية

تفاوت القدرات العسكرية، واعتماد دول على أنظمة أسلحة غربية وأخرى على روسية، مما يعقد التكامل.

رؤى استراتيجية لتصميم آلية قابلة للتطبيق

لنجاح أي مبادرة دفاعية عربية، نقترح خمس ركائز عملية:

البدء بمشاريع صغيرة محددة: مثل إدارة الأزمات الحدودية، والأمن السيبراني، والمراقبة المشتركة للأسلحة، لبناء الثقة تدريجياً قبل التوسع في الالتزامات.

ابتكار هيكل حوكمة ملزم: يتجاوز نموذج الإجماع، ويتضمن آليات تصويت بالأغلبية مع ضمانات للدول الصغرى، وهيئات تنفيذية مستقلة.

بناء الثقة بشكل منهجي: عبر تدريبات مشتركة، وبرامج إنسانية، وشفافية إعلامية لتعزيز الدعم الشعبي وتجنب اتهامات الهيمنة.

المرونة والتكيف: السماح بمشاركة متفاوتة حسب القدرات والمصالح، عبر “مجموعات عمل” متخصصة بدلاً من هيكل مركزي صارم.

الالتزام بالمعايير الدولية: ربط عمل التحالف بميثاق الأمم المتحدة وقانون حقوق الإنسان لتعزيز شرعيته وتجنب التدخلات الخارجية. نستوضح مما ذكر آنفا أن السيناريو الاستشرافي لانهيار إيران لا يمثل فقط نهاية لتهديد تقليدي، بل بداية لمرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية المعقدة. في هذا السياق، تتحول فكرة “الناتو العربي” من طموح نظري إلى ضرورة وظيفية لإدارة الفراغ الأمني، والحفاظ على الاستقرار، وتعزيز السيادة الجماعية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع لا يعتمد على الشعارات، بل على تصميم آلية واقعية تتعلم من إخفاقات الماضي، وتبني الثقة تدريجياً، وتوازن بين الطموح الاستراتيجي والقيود السياسية والقانونية، ويضم عدة دول ليست خليجية فقط وانما دول أخرى مثل تركيا وباكستان تكون بمثابة خط الدفاع والمواجهة لاي تهديد روسي صيني. بدون هذه الشروط، قد يبقى “الناتو العربي” حبراً على ورق، بينما تتجه المنطقة نحو مصير يتشكل بفعل الفوضى لا بفعل الإرادة الجماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى