لجنة العلوم السياسية

شذرات في متابعة شؤون الحرب 

بقلم أ.د. هاني الحديثي

استاذ السياسة الخارجية والعلاقات الدولية 

عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات – لجنة العلوم السياسية.

يبدو أن دونالد ترامب يرسم كل يوم سيناريو مختلفًا عن سابقه، في حين يرفض قادة إيران الاعتراف بما يمكن وصفه بالهزيمة، فيلجؤون إلى تصدير الحرب إلى بلدان الجوار عبر أذرعهم المنتشرة فيها، في محاولة لإظهار الثبات أمام شعوبهم، من دون أدنى اكتراث بما قد تواجهه إيران من تداعيات كارثية، بعد أن أغلقت على نفسها فرص النجاة التي كان يمكن تحقيقها عبر القبول بالمقترحات التي طُرحت خلال المفاوضات السابقة للحرب.

في المقابل، يبدو أن دونالد ترامب قد سعى إلى إشعال هذه الحرب، سواء بشكل مباشر أو بدفع من بنيامين نتنياهو، بهدف توريط بلدان الخليج وعموم المشرق العربي في الصراع، تمهيدًا للعب دور “مدير الأزمة” لاحقًا، ومن ثم تقديم نفسه كصانع للسلام، عبر إدارة حرب تستنزف قدرات دول المنطقة وتعيد تشكيل موازين القوى فيها.

في المقابل، عملت القيادة الإيرانية على توسيع دائرة الحرب عبر تفعيل أذرعها في المنطقة، والتي أضعفت دور الدولة الوطنية في البلدان التي تنشط فيها، تحت شعارات سياسية لم تحقق نتائج فعلية، على غرار تجارب عربية سابقة خاضت حروبًا تحت عناوين كبرى، لكنها انتهت إلى نتائج عكسية.

والنتيجة الطبيعية لهذا التداخل في الأجندات هي دفع شعوب الإقليم العربي نحو المجهول، لصالح مشاريع دولية وإقليمية متصارعة.

وكما أدى رفض العراق لعروض السلام عام 1990، عقب غزوه للكويت، إلى تداعيات استراتيجية عميقة، فإن النهج الإيراني الحالي، القائم على التصعيد واستعداء محيطه العربي، قد يدفع الدول العربية المعنية إلى أحد خيارين:

  • إما بناء منظومة أمن إقليمي مشترك، بمشاركة قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان
  • أو الانخراط الكامل في المشروع الأمريكي–الإسرائيلي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

تداعيات الموقف حتى الآن

أولًا: رفض عدد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، مثل بريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا، الانخراط في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، لما يحمله ذلك من انزلاق نحو حرب غير واضحة الأهداف.

ويعكس هذا الموقف تناقضًا في تصريحات دونالد ترامب، الذي أكد سابقًا قدرة بلاده على حسم الصراع منفردة، قبل أن يدعو لاحقًا دولًا أخرى، بل وحتى الصين وكوريا الجنوبية، للمشاركة في تأمين المضيق.

ثانيًا: التصريحات الصادرة عن عباس عراقجي، والتي أكد فيها أن الصين وروسيا شريكان استراتيجيان لإيران، تشير إلى احتمال اتساع نطاق الصراع ليأخذ أبعادًا دولية أكثر خطورة، خاصة في ظل تصاعد التوتر في تايوان، واستغلال بكين لانشغال الولايات المتحدة في جبهات أخرى.

ثالثًا: تضع هذه التطورات كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل في موقف معقد، يضاف إليه الضغط الداخلي الذي يواجهه دونالد ترامب، خاصة في ظل الاستحقاقات الانتخابية، وتصاعد التساؤلات داخل الكونغرس الأمريكي حول أهداف هذه الحرب ومآلاتها.

خلاصة تحليلية

تأسيسًا على ما تقدم، فإن التصريحات المتناقضة الصادرة عن دونالد ترامب تجعل من الصعب التعويل عليها، سواء فيما يتعلق بإعلان “إنجاز المهمة” أو الدعوة إلى العودة للمفاوضات.

وبين التصعيد والمناورة، تبقى المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين الاحتواء المؤقت والانفجار الأوسع، في ظل غياب رؤية إقليمية متماسكة قادرة على حماية مصالح شعوبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى