لجنة العلوم السياسية

قراءة استشرافية في حدود القدرة على المطاولة طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الأزمات 

بقلم الدكتور عبدالوهاب القصاب

العضو المؤسس ورئيس لجنة العلوم السياسية في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

لفهم احتمالات المطاولة الإيرانية، لا بد من التوقف عند النمط التاريخي لسلوك الدولة الإيرانية في الأزمات الكبرى. فقد أظهرت التجربة، منذ قيام ما يُعرف بـ«الجمهورية الإسلامية» عام 1979، أن طهران تميل إلى اتباع استراتيجية مركبة تقوم على ثلاث ركائز أساسية:

  1. تجنب المواجهة الشاملة المباشرة مع القوى الكبرى.
  2. الاعتماد على الأدوات غير المتماثلة في إدارة الصراع.
  3. المراهنة على عامل الزمن بوصفه سلاحًا استراتيجيًا.

وقد تجلت هذه الاستراتيجية بوضوح خلال مراحل متعددة، منها الحرب العراقية–الإيرانية، والأزمات النووية المتعاقبة، والصراع الإقليمي في المشرق العربي.

إن جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على فكرة بسيطة لكنها فعّالة: تحويل التفوق العسكري للخصم إلى عبءٍ سياسي واستراتيجي عليه مع مرور الزمن.  فالدولة التي تعجز عن حسم الصراع سريعًا قد تجد نفسها مضطرة، في نهاية المطاف، إلى البحث عن تسوية.

وعليه، فإن تقدير القدرة الإيرانية على المطاولة يجب أن يأخذ في الاعتبار العقل الاستراتيجي الإيراني، وليس فقط الخسائر العسكرية المباشرة.

  • الجغرافيا الإيرانية بوصفها عامل قوة

يُعد العامل الجغرافي من العناصر التي كثيرًا ما يُقلَّل من أهميتها في التحليل الاستراتيجي.

فإيران ليست دولة صغيرة أو سهلة الاختراق، بل تمتلك خصائص جغرافية تمنحها قدرًا معتبرًا من القدرة على الصمود، ومن أبرزها:

  1. المساحة الواسعة تبلغ مساحة إيران نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع، وهي مساحة كبيرة نسبيًا مقارنة بمعظم دول الشرق الأوسط، ما يجعل من الصعب تحقيق شلل كامل للبنية العسكرية أو الاقتصادية عبر الضربات الجوية فقط.
  2. الطبيعة الجبلية تشكّل الجبال نحو نصف مساحة إيران تقريبًا، ولا سيما في سلسلتي زاغروس والبرز، وهو ما يوفر عمقًا دفاعيًا طبيعيًا يسمح بإخفاء المنشآت العسكرية وتوزيعها.
  3. الموقع الجيوبوليتيكي تقع إيران عند تقاطع عدة فضاءات استراتيجية (الخليج العربي، آسيا الوسطى، جنوب آسيا، القوقاز)، وهو ما يمنحها قدرة على المناورة الجيوسياسية حتى في ظل الضغوط.
  • الاقتصاد الإيراني بين الصمود والإنهاك

يُعد الاقتصاد أحد أهم محددات قدرة الدول على خوض صراعات طويلة. وقد تعرض الاقتصاد الإيراني، خلال العقود الماضية، إلى واحدة من أطول منظومات العقوبات في التاريخ المعاصر.

ورغم ذلك، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل تكيف مع الضغوط عبر عدة آليات، منها:

  • اقتصاد الظل وشبكات الالتفاف على العقوبات
  • التبادل التجاري مع دول غير غربية
  • تطوير صناعات محلية بديلة

لكن هذه القدرة على التكيف لا تعني أن الاقتصاد الإيراني في وضع مريح، إذ تشير المؤشرات إلى:

  • تضخم مرتفع
  • تراجع حاد في قيمة العملة
  • ارتفاع معدلات البطالة
  • اتساع الفجوة الاجتماعية

وفي حال استمرار المواجهة العسكرية لفترة طويلة، فإن الاقتصاد الإيراني قد يواجه مرحلة إنهاك حقيقية، وهو ما بدأت ملامحه بالظهور بالفعل، الأمر الذي سينعكس بدوره على الاستقرار الداخلي.

  • دور مضيق هرمز في معادلة الصراع

يبقى مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة الجيوبوليتيكية الإيرانية، إذ يُعد من أبرز شرايين الطاقة في العالم، ويمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

وتدرك إيران أن قدرتها على التأثير في أمن هذا المضيق تمنحها ورقة ضغط استراتيجية مهمة. وحتى دون إغلاقه بالكامل، يمكنها عبر:

  • التهديد بالملاحة
  • العمليات المحدودة
  • نشر الألغام البحرية
  • استخدام الزوارق السريعة

أن ترفع مستوى المخاطر في المنطقة.

لكن استخدام هذه الورقة يبقى سلاحًا ذا حدّين، إذ إن أي تعطيل واسع للملاحة قد يدفع القوى الدولية إلى رد واسع النطاق، لا يصب في مصلحة إيران.

  • التحولات المحتملة داخل النخبة الإيرانية

من المتغيرات الحاسمة في مستقبل المواجهة التوازنات داخل النخبة الحاكمة في إيران، إذ لا يشكّل النظام الإيراني كتلة متجانسة، بل يضم عدة مراكز قوة، منها:

  • المؤسسة الدينية
  • الحرس الثوري
  • المؤسسات السياسية
  • النخب الاقتصادية المرتبطة بالدولة (المعروفة اصطلاحًا بـ«البازار»)

وفي ظل الضغوط الشديدة، قد تظهر تباينات في تقدير الموقف بين هذه القوى، حيث قد يميل بعضها إلى التصعيد، فيما يفضل البعض الآخر التسوية واحتواء الأزمة.

  • انعكاسات المواجهة على الإقليم

لا يمكن فهم الصراع مع إيران بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالوطن العربي يعاني منذ سنوات من اختلال في التوازن الاستراتيجي، وهو ما يُوصف بـ«الفراغ الاستراتيجي».

وقد سمح هذا الفراغ لقوى إقليمية غير عربية – ومنها إيران – بتوسيع نفوذها في عدة ساحات. غير أن المواجهة الراهنة قد تسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية من خلال:

  1. تقليص النفوذ الإيراني في بعض الساحات
  2. إعادة رسم موازين القوة في الخليج
  3. زيادة حضور القوى الدولية في المنطقة
  • الاحتمال الأخطر: الانزلاق إلى حرب إقليمية

رغم أن معظم الأطراف لا تبدو راغبة في حرب شاملة، فإن التاريخ يبين أن الحروب الكبرى قد تبدأ نتيجة أخطاء في الحسابات.

وفي حال تحقق أحد السيناريوهات التالية:

  • ضربة كبيرة غير محسوبة
  • خسائر بشرية واسعة
  • تعطيل كبير لتدفق الطاقة

فإن التصعيد قد يخرج عن السيطرة، ما قد يحول المواجهة إلى صراع إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو الأقل احتمالًا نظرًا لارتفاع كلفته على جميع الأطراف.

  • الخاتمة

تشير القراءة الاستراتيجية للمشهد الراهن إلى أن إيران تواجه واحدة من أصعب مراحلها منذ عام 1979. فقد تعرضت قدراتها العسكرية لضغوط كبيرة، وتواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، كما أن نفوذها الإقليمي لم يعد بالصلابة التي كان عليها في السابق.

ومع ذلك، فإن الجزم بانهيار قدرتها على المطاولة قد يكون استنتاجًا متعجلًا، إذ إن الدول ذات الخبرة في إدارة الصراعات غير المتكافئة قادرة على تحويل نقاط ضعفها إلى أدوات للمناورة.

ومن المرجح أن تتجه إيران في المرحلة المقبلة إلى:

  • خفض مستوى المواجهة المباشرة
  • تفعيل الأدوات غير المتماثلة
  • المراهنة على عامل الزمن

في المقابل، سيحاول خصومها استثمار لحظة الضعف لتحقيق تغيير في ميزان القوى الإقليمي. وبين هذين المسارين، سيظل مستقبل المواجهة مفتوحًا على عدة احتمالات، تتحدد وفق تفاعل معقد بين العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، داخليًا وإقليميًا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى