لجنة الاسكان و البنى التحتية

اليوم التالي لانهيار المحاور: قراءة في سقوط الاتحاد السوفيتي وتحوّلات النظام الدولي المعاصر

أ.د. طه أحمد عليوي

تخصص هندسة الذكاء الاصطناعي والاتصالات الحديثة
عضو لجنة الإسكان والبنى التحتية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات

ليست التحولات الكبرى في التاريخ السياسي مجرد أحداث عابرة، بل هي لحظات فاصلة تعيد تشكيل العالم وتعيد رسم خرائط القوة والنفوذ فيه. فحين ينهار قطبٌ دوليٌّ مهيمن، لا يسقط وحده، بل تتداعى معه منظوماتٌ فكرية وتحالفات عسكرية واقتصادية كانت تستمد وجودها من مركزه. ومن هنا فإن دراسة “اليوم التالي” لانهيار تلك المحاور تصبح ضرورة تحليلية لفهم
كيفية تشكّل النظام الدولي الجديد.

لقد كان الاتحاد السوفيتي طوال عقود القرن العشرين أحد أعمدة التوازن الدولي، ليس فقط بصفته قوة عسكرية كبرى، بل باعتباره مشروعاً فكرياً وأيديولوجياً استقطب حوله عدداً واسعاً من الدول والحركات السياسية. فقد مثّل ذلك الاتحاد قطباً سياسياً وفكرياً ارتكز على العقيدة الشيوعية، وشكّل محوراً عالمياً التفّت حوله دولٌ عديدة في أوروبا الشرقية وآسيا وأجزاء من العالم الثالث.

وقد ارتبطت تلك المرحلة التاريخية بقيادات طبعت ملامح المشروع السوفيتي، مثل: جوزيف ستالين، ونيكيتا خروتشوف، وليونيد بريجنيف، الذين سعوا إلى ترسيخ نموذج سياسي واقتصادي يقوم على مركزية الدولة وتوجيه الاقتصاد وفق منظومة فكرية موحدة.

غير أن هذا المشروع، رغم اتساعه الجغرافي وقوته العسكرية، كان يحمل في داخله تناقضاته البنيوية. فقد أدت مركزية السلطة وتغليب الاعتبارات الأيديولوجية على المصالح المجتمعية إلى اتساع الفجوة بين الأنظمة السياسية والشعوب التي تحكمها. ومع مرور الزمن، تحولت بعض تلك الأنظمة إلى منظومات بيروقراطية جامدة، تميل إلى القمع السياسي وتضييق الحريات، الأمر الذي أضعف قدرتها على التجدد والتكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

وقد جاءت اللحظة المفصلية مع تفكك الاتحاد السوفيتي، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد انهيار لدولة عظمى، بل سقوطاً لمنظومة جيوسياسية كاملة كانت تمثل أحد قطبي النظام الدولي خلال الحرب الباردة.

ومع هذا الانهيار، بدأت حلقات التفكك تتتابع بسرعة. فقد انهار الإطار العسكري الذي كان يجمع دول الكتلة الشرقية والمتمثل في حلف وارسو، والذي انتهى رسمياً مع حل حلف وارسو بعد أن فقد مبرر وجوده الاستراتيجي.

كما امتدت تداعيات هذا التحول إلى مناطق أخرى من أوروبا الشرقية والبلقان، حيث دخلت يوغوسلافيا في مرحلة من الاضطراب السياسي والنزاعات العنيفة التي أدت في النهاية إلى تفككها إلى عدة دول مستقلة. ولم يكن ذلك التفكك معزولاً عن التحول الدولي الكبير، إذ إن اختفاء القطب السوفيتي أزال أحد عناصر التوازن التي كانت تضبط العلاقات الإقليمية في تلك
المنطقة الحساسة من العالم.

وبانهيار الاتحاد السوفيتي، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة عُرفت بمرحلة الأحادية القطبية، حيث برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة على النظام العالمي خلال عقد التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرين. وقد انعكس هذا التحول في إعادة تشكيل التحالفات الدولية، وفرض منظومة سياسية واقتصادية عالمية جديدة، اتسمت بانتشار العولمة الاقتصادية واتساع نفوذ المؤسسات المالية الدولية.

غير أن التاريخ الدولي لا يعرف الثبات. فمع مرور الزمن بدأت ملامح نظام عالمي جديد تتشكل، حيث ظهرت قوى صاعدة تسعى إلى إعادة التوازن في النظام الدولي، مثل الصين وعودة روسيا إلى الساحة الدولية بوصفها لاعباً استراتيجياً مهماً. وقد أدى ذلك إلى بروز ملامح نظام دولي يتجه تدريجياً نحو التعدد القطبي بعد عقود من الهيمنة الأحادية.

إن قراءة تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي في ضوء التحولات الراهنة تكشف حقيقة جوهرية مفادها أن المحاور الدولية، مهما بلغت قوتها، تبقى كيانات تاريخية خاضعة لقوانين التحول والتبدل. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التوازنات الكبرى قد تنهار حين تفقد قدرتها على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، وأن القوة التي تبدو راسخة في لحظة معينة قد تصبح بعد
سنوات مجرد ذكرى في سجل الأمم.

ومن هنا فإن الحكمة السياسية للدول تكمن في إدراك هذه الحقيقة التاريخية، وتجنب الارتهان الكامل لمحورٍ واحد، لأن سقوط رأس المحور قد يؤدي إلى ارتدادات عميقة في الأطراف المرتبطة به. فالدول التي تبني استراتيجياتها على تنويع علاقاتها الدولية، وتحافظ على قدر من الاستقلالية في قرارها السياسي، تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.

إن التاريخ، في نهاية المطاف، ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو مختبرٌ دائم لفهم قوانين القوة والانهيار في النظام الدولي. ومن يتأمل تجربة الاتحاد السوفيتي يدرك أن سقوط الإمبراطوريات لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكم طويل من الاختلالات الداخلية والضغوط الخارجية. كما يدرك أن العالم، مهما بدا مستقراً في لحظة من الزمن، يظل دائماً في حالة تشكلٍ مستمر، تنتقل فيه موازين القوة من قطبٍ إلى آخر، ومن محورٍ إلى محور.

وهكذا يبقى الدرس الأكبر من تلك التجربة أن الدول والشعوب التي تضع مصيرها بالكامل في كفة محورٍ واحد، قد تجد نفسها يوماً ما تواجه فراغاً استراتيجياً خطيراً إذا ما انهار ذلك المحور. أما الدول التي تدرك تقلبات التاريخ، وتبني سياساتها على التوازن والمرونة، فهي الأقدر على العبور بأمان بين أمواج التحولات الكبرى في النظام الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى