أمريكا أم الصين؟ كيف تناور دول الشرق الأوسط في لعبة النفوذ الاقتصادي العالمي

أمريكا أم الصين؟ كيف تناور دول الشرق الأوسط في لعبة النفوذ الاقتصادي العالمي
أ.د. طه أحمد عليوي
تخصص هندسة الذكاء الاصطناعي والاتصالات الحديثة
عضو لجنة الإسكان والبنى التحتية
المنتدى العراقي للنخب والكفاءات
لم يعد الصراع بين القوى الكبرى في عالم اليوم يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل بقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي: من يملك مفاتيح الاستثمار، من يسيطر على سلاسل التوريد، ومن يضع قواعد التجارة والتمويل. وفي قلب هذا المشهد، يتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، بينما تجد دول الشرق الأوسط نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تستفيد من الطرفين دون الوقوع في فخ التبعية لأيٍّ منهما؟
صراع بلا حرب… ولكن بتأثير واسع
على خلاف الحروب التقليدية في القرن العشرين، لا تخوض واشنطن وبكين مواجهة عسكرية مباشرة. بدلاً من ذلك، تستخدمان أدوات اقتصادية ناعمة لكنها شديدة التأثير، مثل القروض، الاستثمارات، الاتفاقيات التجارية، ونقل التكنولوجيا. هذا النمط من التأثير يُعرف اليوم بـ«النفوذ الجيو-اقتصادي»، أي توظيف القوة الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية طويلة الأمد.
كيف تبني الولايات المتحدة نفوذها؟
تعتمد الولايات المتحدة، ومعها الدول الغربية، على نموذج الشراكة والانخراط المؤسسي. فهي تشجع الدول الأخرى على تطوير اقتصاداتها المحلية والاندماج في النظام المالي والتجاري العالمي، غالبًا عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
في هذا النموذج، تبدو الدول المستفيدة أكثر استقلالًا، لكنها تصبح في الواقع جزءًا من منظومة قانونية ومالية تقودها واشنطن، حيث يتجسد النفوذ في القواعد والمعايير واتجاهات السياسات، لا في السيطرة المباشرة.
ماذا تقدم الصين بالمقابل؟
الصين تنتهج مقاربة مختلفة، تقوم على الاستثمار المكثف في البنية التحتية، مثل الموانئ، الطرق، الطاقة، والاتصالات، في إطار مبادرة «الحزام والطريق». هذا النموذج جذاب للعديد من الدول لأنه سريع التنفيذ وأقل اقترانًا بالشروط السياسية.
لكن هذا النهج قد يؤدي على المدى الطويل إلى اعتماد اقتصادي متزايد على الصين، سواء عبر القروض أو الأسواق أو التكنولوجيا، ما يحد من قدرة بعض الدول على بناء قاعدة إنتاجية محلية مستقلة.
لماذا يختلف الأسلوبان؟
لا يعود الاختلاف بين النموذجين إلى النوايا بقدر ما يعود إلى طبيعة كل قوة. فالصين، ذات الكثافة السكانية الهائلة والقاعدة الصناعية الواسعة، تحتاج باستمرار إلى أسواق وموارد جديدة. أما الولايات المتحدة، فتستند إلى شبكة تحالفات ومؤسسات دولية تتيح لها ممارسة نفوذ غير مباشر ولكن مستدام.
الشرق الأوسط بين التوازن والمصلحة
في ظل هذا التنافس، لم تعد دول الشرق الأوسط مجرد ساحات نفوذ، بل تحاول أن تكون لاعبة فاعلة. إيران تميل إلى الاصطفاف شرقًا في مواجهة الغرب. تركيا تسعى إلى التوازن بين الطرفين مع تعزيز صناعتها الوطنية. دول الخليج تنوّع شراكاتها الاقتصادية مع الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط.
أما العراق، فيحاول الاستفادة من الاستثمارات الصينية دون خسارة علاقاته الغربية، في ظل تحديات داخلية تجعل هامش المناورة صعبًا لكنه ليس مستحيلًا.
هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟
ما يجري اليوم لا يعني انهيار النظام العالمي القائم، بل إعادة ترتيبه. نحن ننتقل تدريجيًا من عالم أحادي القطبية إلى مشهد أكثر تعددية، حيث تمتلك الدول المتوسطة مساحة أوسع للمناورة والموازنة بين القوى الكبرى.
الخلاصة
الصراع بين الولايات المتحدة والصين ليس معركة قيم بقدر ما هو تنافس مصالح. ودول الشرق الأوسط ليست مجبرة على الاختيار الحاد بين طرفين، بل يمكنها — إن أحسنت إدارة موقعها — أن تحوّل هذا التنافس إلى فرصة. ففي عالم يتسم بتعدد القوى وتعقّد المصالح، تصبح مهارة التوازن الاستراتيجي أهم من الانحياز المطلق لأي محور.



